ثم بدأ رحمه الله يذكر بعض فوائد البرد ودخول فصل الشتاء فقال: ففي الشتاء تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض والجبال فتتولد مواد الثمار وغيرها ، وتبرد الظواهر ويستكثف فيه الهواء فيحصل السحاب والمطر والثلج والبرد الذي به حياة الأرض وأهلها ، واشتداد أبدان الحيوان وقواتها وتزايد القوى الطبيعية ، واستخلاف ما حللته حرارة الصيف من الأبدان ، فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين .
فوا عجبًا كيف يعصى الإله * أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكه * وتسكينة أبدًا شاهد
وفي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحد
عباد الله: إن هذه البرد الذي نعاني منه في بعض الأحيان ، ويتمنى البعض سرعة ذهابه ، إنما هو نَفسٌ من أنفاس النار ، وجزءٌ من عذابها وزمهريرها ، فإن الله تعالى يعذب أهل النار بالبرد كما يعذبهم بالحر ، فمهما اشتد البرد أو الحر على العبد في هذه الحياة وقاسى منه وتألم، فإن ذلك لا يعدو أن يكون نفسًا واحدًا من أنفاس النار والعياذ بالله .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا ، فأذن لها بنفسين ، نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف ، فهو أشدُ ما تجدون من الحر ، وأشدُ ما تجدون من الزمهرير (يعني البرد ) أخرجه الشيخان .
قال ابن عبدالبر رحمه الله: هذه الشكوى بلسان المقال ، وقال النووي رحمه الله نحوًا من ذلك ثم أضاف: حمله على حقيقته هو الصواب ، وتنفسها على الحقيقة .
عبدالله تذكر وأنت تفر من برد الدنيا وتتقيه ، وتستعد له بما تجد من ملابس ووسائل تدفئة لك ولأفراد أسرتك ، تذكر زمهرير جهنم الذي لا واقي منه ولا حامٍ إلا التقوى والعمل الصالح بعد رحمة الله وفضله"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة".