عباد الله: إن أخذ الأهبة لهذا الفصل من العام ، والإستعداد له بأنواع الملابس والمدافئ هو من باب الأخذ بالأسباب التي هيأها المولى سبحانه لنا ،وأنعم بها علينا ، ولقد امتن سبحانه على عباده بأن خلق لهم من أصواف بهيمة الأنعام وأوبارها واشعارها ما فيه دفء لهم ،
قال سبحانه ? والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون ? ، وقال سبحانه ? ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين ?
روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال:"كان عمر رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب لهم الوصية: إن الشتاء قد حضر وهو عدو ، فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب ، واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا ، فإن البرد عدوٌ ، سريع دخوله ، بعيد خروجه".
وإنما كان عمر رضي الله عنه يكتب ذلك إلى أهل الشام لما فتحت في زمنه ، لأنه كان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهدٌ بالبرد أن يتأذى ببرد الشام ، وذلك من تمام نصيحته ، وحسن نظره وشفقته وحياطته لرعيته رضي الله عنه .
أيها المسلمون: إن مما لايحتاج إلى برهان ، كثرةُ النعم التي تحيط بنا ، ورغدُ العيش الذي يطغينا ، توفر لدينا بحمد الله ما ندفع به آذى البرد وشدته ، مما يجعل أحدنا يمر به موسم الشتاء بلا كدر ولا مرض ، يبيت دافئًا مطمئنًا على أهله وبيته ،
وهذه النعم بتذكرها واستشعارها توجب شكر المنعم وحمده عليها ، فبالشكر تقيدِّ النعم وتزداد، وبتركه تزول النعم وتفقد ،"وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"
إن شكر النعم يجعلها تدوم على أصحابها في الدنيا ، ويبقى شكرها ذخرًا لهم في الآخرة ، عن أنس رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم:"ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها ، إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة"أخرجه الطبراني وغيره .