عباد الله: التوكل وصية الله للأنبياء ، ووصية الأنبياء لأقوامهم ، فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه:"يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم" (يونس:71) ، وقال تعالى عن نبيه هود عليه السلام:"إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها" (هود:56) ، وقال عن شعيب عليه السلام:"وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" (هود:88) ، وقال سبحانه آمرًا وموجهًا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم:"فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" (آل عمران:159) .
أيها المسلمون: إن التوكل الحقيقي على الله تعالى هو أن يعتمد القلب على الله وحده في حصول المطلوب ودفع المكروه ، مع الثقة به وفعل الأسباب المأذون فيها، فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب ، نقص توكله على الله ، وكان قادحًا في كفاية الله ، لأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب ودفع المكروه ، ومن جعل اعتماده على الله ملغيًا للأسباب كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج ، فقد طعن في حكمة الله ، لأن الله حكيم يربط الأسباب بمسبباتها.
عباد الله: إن التوكل على الله سبحانه عبادة عظيمة ، وصرف شيء منها لغير الله تعالى يؤدي بصاحبه إلى الشرك صغيرًا كان أو كبيرًا ، وقد قال أهل العلم ، إن التوكل على قسمين:
أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من نصر أو حفظ أو رزق أو شفاعة فهذا شرك أكبر .
والثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة ، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهو نوع شرك أصغر وقال بعضهم: هو من الشرك الخفي .