أولًا: إن كسب الرزق وطلب العيش مأمور به شرعًا ، ومندفعة إليه النفوس طبعًا ، والشريعة لا تقف في وجه الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، لكنها تصحح المسار ، وتحث الناس على الاعتدال حتى في المال ، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم:"يستعيذ بالله من شر الغنى والفقر"رواه أبو داوود والترمذي ، وقال صلى الله عليه وسلم حاثًا على العمل والتكسب:"ما أكل أحدٌ طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده ، وان نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"رواه البخاري .
إن الاستغناء عن الناس عباد الله: بالكسب الحلال لهو شرف عال ، وعز رفيع ، ومما يروى من حكم لقمان قوله: يا بني ، استغن بالكسب الحلال عن الفقر ، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه ، وضعف في عقله ، وذهاب مروءته.
ولا شك أن المقصود من ذلك كله هو الكسب الطيب ، فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، قال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون .
نعم المعين على المروءة للفتى * مال يصون عن التبذل نفسه ...
لا شيء انفع للفتى من ماله * يقضي حوائجه ويجلب انسه ...
وإذا رمته يد الزمان بسهمه * غدت الدراهم دون ذلك ترسه
الوقفة الثانية عباد الله: هي أن الله تعالى تكفل برزق الخلق عندما خلقهم ، فلم يتركهم سبحانه هملا ، ولم يدعهم جياعًا ، بل قدر لهم مقاديرهم وكتب لكل نفس رزقها ، ولن تموت يا عبد الله حتى تستكمل الرزق الذي كتبه الله لك ، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .