إن المحاسبة أيها المسلمون هي أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره ، فإن كان ذلك الفعل محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه ، وإن كان مذمومًا استدركه ما أمكن ، وانتهى عن مثله في المستقبل، إنها باختصار كما يقول ابن القيم رحمه الله: أن يميز العبد بين ماله وما عليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه لأنه مسافر سفر من لا يعود .
عباد الله: لقد ضرب السلف الصالح رحمهم الله أروع الأمثلة في محاسبة أنفسهم وتقويمها ، وما ذاك إلا لعلمهم بمكانة المحاسبة ومنزلتها ، ها هو ابن الخطاب رضي الله عنه يقصد حائطًا يكلم نفسه قائلًا: عمر ، أمير المؤمنين ، بخ بخ ، والله بني الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك، وقال ميمون بن مهران:"لا يكون الرجل تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه ، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه"، ونقل عن ابن الصمة أنه جلس يومًا يحاسب نفسه فعد عمره فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي واحد وعشرون ألفًا وخمسمائة يوم ، فصرخ وقال: يا ويلتي ألقى الله بـ21 ألف ذنب .
أيها المسلمون: لئن كان أصحاب الأموال والتجارات يوقفون أعمالهم ويغلقون متجارهم من أجل جرد حساباتهم في آخر كل عام مالي ، فالمسلم العاقل فضلًا عن طالب العلم ورجل الدعوة أولى بذلك منهم لأن محاسبتنا لأنفسنا هي سبيل ربحنا في الدنيا وطريق نجاتنا في الآخرة ، ومحاسبتهم يقتصر نفعها على دنياهم .
عبدالله: انظر في صحائف أيامك التي خلت ، ماذا ادخرت فيها لأخرتك ، وماذا قدمت لدنياك ، أخل بنفسك ساعة وحاسبها ، ماذا تكلم اللسان ، وماذا رأت العينان ، أين مشت تلك الأقدام ، وإلى إلام استمعت الأذنان .
أسألها عن قوة الإيمان وضعفه ، عن الصلاة وأدائها ، عن المال من أين تجمعه وفيم تنفقه ؟
أسألها: عن عامها الجديد ، ماذا ستقدم فيه لنفسك ، وماذا ستقدم لأهلك وولدك ، وما هو نصيب أمتك؟