فهرس الكتاب
وقد وهبهم الله ذكاءً ودهاءً, فتحكموا في القطرِ النازل من السماء, فبنوا سدًا عظيمًا عُرف بسد مأرب الشهير!! فكانوا يرتعون فيه, ويسقون ز روعهم ومواشيهم, في نظامٍ متقنٍ بديعٍ, لقد كانت حياتهم حياةُ الرفاهية بكل ما تحمله الكلمات من معانٍ, ولم يكن في بلادهم شيء من البعوضِ أو الهوامِ لاعتدال الهواءِ, وصحةِ المزاج, وعناية الله الفائقة بهم, كلوا من رزق ربكم و اشكروا له بلدةٌ طيبةٌ, وربٌ غفور, بلدة طيبة معطاء, آمنةً مطمئنةً رخاء ورب غفورٌ, ودودٌ رؤوف, جوادٌ رحيم, فأي عذر بقي لأولئك يحول بينهم وبين حسن القصد والعمل ؟!
ترى ماذا كان يضير سبأ لو أطاعوا ربهم, الذي أحاطهم بكل عناية, وشملهم بكل رعايةٍ, فأطعمهم من فوقهم, ومن تحت أرجلهم, بلا حدودٍ ولا حسابٍ, ماذا كان يضيرُ سبأ لو عرفوا للمتين الوهاب حقه, وأدركوا أن ما يتمتعون به من النعيم المقيم, والظل الوارف, والماء المسكوب, هو فضلٌ من الله ومنة ؟!! فلم التجبر والطغيان ؟؟
ماذا كان يضير سبأ لو أدركوا أن ما ينعمون به من رغدِ العيشِ وأمن البلادِ , إنما هو ابتلاء من الله لهم ليعلم - وهو العليم الخبير - أيشكرون أم يكفرون؟ أينسبون الفضل لله أم لأنفسهم الضعيفة ؟؟ (( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) ).
فأعرضوا وهنا مَكمَن الخطأ, وبدايةُ النهايةِ , وبوادرَ الكارثةَ, فأعرضوا عن شكر النعمِ, وإجابة المرسلين , ورضوا لأنفسهم بالذِّلةِ والهوان, يوم استبدلوا بعبودية الله عبودية شمس تشرق وتغرب, ويحجب أشعتها ركامٌ يسير من السحاب!