فهرس الكتاب
وبينا هم فرحون منعمون بما أوتوا من الخير والرزق العميم, قد انحصرت اهتماماتهم في الزينة واللذة والمتاع, واستسلمت نفوسهم للأهواءِ والشهواتِ, وبينا هم كذلك في أوجِّ لذتهم, وغاية نشوتهم, إذا بالعذاب يحل بغتةً, وإذا بالعقوبة تنزل فجأةً, فإذا هم مبلسون, يسكن البومُ ديارهم, وينعق الغرابُ فوق أطلالهم . (( وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ).
وهكذا يمكر الله بجموعِ المعرضين, ويباغتُ بالعقوبةِ جماهير الغافلين, سنة الله التي لا تتغيرُ و لا تتبدل مهما تغيرَ الزمانُ أو تباين المكانُ, ولكن كثيرًا من الناس بلقاء ربهم لكافرين!
أيها المسلمون: ويعرض القرآن الكريم أنموذجًا حيًا لأمثال أولئك المعرضين المكذبين, ذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد, إنها مملكة سبأ التي سادت ثم بادت, وأصبحت أثرًا بعد عين, قد ذهب سلطانها وهيلمانها, وغدت روايةً وحكايةً تُحكى, فإلى حديثِ القرآن وهو يعرض قصتهم ويسجلُ نهايتهم فاعتبروا يا أولي الأبصار: (( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) ).
لقد كانوا في أرضٍ خصبةٍ وثمرةٍ يانعةٍ, جنتان عن يمين وشمال, رمزٌ ناطقٌ بالخضرة والجمال, والرخاءِ والمتاع, قال قتادة -رحمه الله-: « كانت المرأة تمشي تحت الأشجارِ وعلى رأسها مكتل أو زنبيل, فتساقط الثمار فيه من غير حاجة إلى كلفة أو قطاف, لكثرته ونضجه, واستوائه » ا.هـ.