فهرس الكتاب
كلا فما زالت فيهم بقيةٌ من نعمةٍ تنتظر التدمير والإهلاك . )) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (( لقد كان طريق سبأ من اليمن إلى الشام طريقًا مأمون الاتجاهات محدود المسافاتِ وعلى جانبي الطريق قرى متلاصقة, لا يكادُ المسافرُ يخرج من قريةِ إلا يدخلُ الأخرى, فلا يحتاج, في الحالة هذه إلى حمل زادٍ أو طعام, ولكن غلبت الشقوةٌ على الأشقياء , (( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) ) (سبأ: من الآية 19) , اجعل بين أسفارنا مسافاتٍ بعيدة, ومفاوز شاسعةً حتى نشعر بعناء السفر ومشقته !!
يا للسفه والجنون! ويا للحماقةِ والطيش! أناسٌ هيئ الله لهم قرى متشابكة وطرقًا آمنة, فإذا بهم يتطلبون المسافات البعيدةِ, والقرى النائية .
(( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَا هُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) ) (سبأ:19) , فكان لا بد من وضعِ حدٍ لكبرياءَ القومِ وغرورهم, وتجبرهم, وطغيانهم , فقد طفح الكيلُ وبلغ السيلُ الزُّبى, فإذا بالجموع المتماسكة, والبيوتِ المتلاقصة, والأسرُ المتقاربةِ تنفرط سبحتها, وتتمزق وحدتها, وتتقوضُ سلطتها, فجعلناهم أحاديثَ ومزقنا هم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور .
بارك الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويضر ويرفع, ألا إلى الله تصير الأمور. أما بعد . أيها المسلمون: