فهرس الكتاب
فيقولُ اللهُ تعالى في كتابهِ الكريم: (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) ) [النحل:113..112] .
في هاتين الآيتين الكريمتين يعرضُ القرآنُ الكريم مثلًا مضروبًا, مُسَاقًا للعظةِ والعبرة, لقريةٍ من القرى كانت تنعمُ بأمنٍ واستقرار, وطمأنينةٍ ورغدٍ من العيش, يأتيها رزقُها من كل مكان, لا يعرفُ أهلُها الجوعَ والخوف, ولا الفاقةَ والحرمان, فهم في أوجِ لذاتِهم, وغايةِ سعادتهِم, لكنَّ أهلَ القريةِ المغفلين حكامًا ومحكومين, ظنوا أنَّ ذلك بسببِ حسبهِم ونسبهِم, ومكانتهِم عند الله تعالى, وأنهم يستحقون ذلك لفضلهِم وتميزهِم عند الناس, فتجرأَ المغفلون حكامًا ومحكومين, رؤساء ومرؤوسين, تجرءوا على انتهاكِ محارمِ الله, وتجاوزِ حدودهِ سبحانه, مغترينَ بإمهالِ اللهِ لهم, وصبرِه على انحرافهِم وظلمهِم وبغيهِم, فبدلًا من أنْ يشكروا ربهم, ويعترفوا بإحسانِه إليهِم, وتفضلِه عليهِم, ويلتزموا حدودَه ، ويعرفوا حقوقَه. إذا بهم يتنكرون للمنعِم العظيم ويتجرءون في سفهٍ وغرور على العزيزِ الحكيم، الذي يقول: (( يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) )ويقول: (( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) )فماذا كانتْ النتيجة, وما هي النهايةُ والعاقبة بعد ذلك الإمهالِ والصبرِ الجميل ؟! إنَّ القرآنَ الكريم يختصرُ العقوبةَ المدمرة, والنهايةَ الموجعة في كلمتين اثنتين,: (( فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) ).