فهرس الكتاب

الصفحة 6494 من 13021

ويردونَ أيديهَم على أعينهِم من البوارق, لا عاصمَ لخطفِ الأبصار, ولا ملجأ من الَخطْبِ، إلا معاقلُ الاستغفار, وفرَّ الناس نساءً ورجالًا وأطفالا, ونفروا من دورِهم خفافًا وثقالا لا يستطيعونَ حيلةً ولا يهتدون سبيلا, فاعتصموا بالمساجدِ الجامعة، وأذعنوا للنَّازلة بأعناقٍ خاضعة، وبوجوهٍ عانية، ينظرون من طرفٍ خفي, ويتوقعون أيَّ خطبٍ جلي, قد انقطعتْ عن الحياةِ عُقولُهم, وعميتْ عن النجاةِ طُرُقهم, ووردتْ الأخبار بأنها قد كُسِرت المراكبُ في البحار، والأشجارُ في القفار، وأتلفتْ خلقًا كثيرا ًمن الأسفار, إلى أن قال:ولا يحسبُ أحدٌ أني أرسلتُ القلمَ محرفًا, والعلم مُجوفًا، فالأمرُ أعظم ولكنَّ الله سلم. انتهى كلامه رحمه الله .

أيها المسلمون: إن هذه العقوباتِ المهلكة, والكوارثَ المفجعة, ليست ضربًا من الخيال، وليس فيها شيء من التهويل والمبالغة، فالله يقول: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ) (هود:102)

لكن الذي نشأ منذُ نعومةِ أظفاره في بحبوحةٍ من العيش, لم يذقْ مرارة َالجوع طرفةَ عين, حريٌ به أن يعجبَ مما سمعَ كلَّ العجب, لكنْ سلوا الآباء والأجداد الذين اصطلوا بنارِ الجوع, ولهيبِ الظمأ دهرًا طويلا، وارتعدتْ فرائصهُم وقلوبُهم من قطاعِ الطريق، وعصاباتِ السطو في وضحِ النهار, يتضحُ أنَّه ليسَ في الأمرِ غرابةٌ من قريبٍ أو بعيد, فاعتبروا يا أولي الأبصار.

الخطبة الثانية

أيها المسلمون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت