فهرس الكتاب

الصفحة 6511 من 13021

ففي زحمة الحياة المادية القاسية , التي سيطرت على أحاسيس الناس ومشاعرهم , ألفيتُهم جفات القلوب , غلاظ الطباع , لا يتأثرون بما يرونه ويشاهدونه , مرارًا وتكرارًا في حياتهم اليومية المعتادة , أو في المناسبات الموسمية المتعاقبة . فما عادت آيات الله تعالى في الآفاق وفي أنفسهم تحرك شيئًا من إيمانهم , الآخذة في الانحسار والتردي , بفعل حرب شعواءَ يشنها الإنسان على نفسه الضعيفة , حين يمتعها بشهواتها الحرام , وملذاتها الآثمة .

فما عادت السماءُ بطولها الممتد , وصفائها الممتع الجميل, تؤثر في كيان ذلك الإنسان الغارق في جمع الحطام, وإمتاع العين برؤية ما تشتهي .

وما عادت الكواكب المتناثرة في صفحة السماء البهية , تدغدغ أحاسيسه وتحرك شعوره الجامد الهزيل, وما عاد ذلك التعاقب البديع بين الليل والنهار , والشرق والغروب , يذكره بعظمة الخالق المدبر لهذا الكون, المتقن الصنع , بل إنّ الإنسان ليرى بأم عينيه مشهدًا عظيمًا مهولًا , مشهد الحجاج المزدحمين أفواجًا وأمواجًا في المشاعر المقدسة , يرى أولئك القادمين من كل فج عميق , وقد اختلفت ألسنتهم , وتعددت ألوانهم , وتفاوتت عقولهم ومداركهم , يراهم وهو حاضر بينهم , فينشغل عنهم , بطلب ماء يطفئ حر كبده , أو طلب طعامٍ يسكت جوعته , أو طلب ظلٍ يقيل تحته , ينشغل بذلك ولا تثريب عليه .

لكنه لا يحسن أن يتذكر ذلك اليوم المهول , الذي تحشر فيه الخلائق كلها , بين يدي الله الواحد القهار , ينشغل الحاج بذلك كله عن عقد مقارنة ضرورية , بين ذلك التجمع اليسير , لبضع مئات من الألوف , وبين أرض قاعٍ صف صفا , لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا , تزدحم عليها الخلائق كلها , منذ آدم عليه السلام , وحتى آخر مولودٍ يلفظه رحم أنثى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت