فهرس الكتاب
ولئن استطاع الحاج أن يحظى بخيمة أو شجرة يستظل تحتها , ووجد من يبتاع منه طعامًا يقيم صلبه , وعثر على مركز صحي يخفف شدة الحر عن جسده المنهك , فأنَّى له بشيء من ذلك , في يومٍ , شديد الحر , عظيم الكرب.
إن على الحاج أن يأخذ من حجه الدروس, ويتزود بزاد التقوى, لذلك اليوم الموعود , الذي لا ينبغي أن يغيب عن ذهنه ومخيلته طرفة عين .
فلا يظلم أحدًا , ولا يسفك دمًا , ولا ينتهك حرمةً , ولا يرتكب فاحشةً , ولا يقر منكرًا , ولا يضيع معروفًا , ولا يظلم بريئًا , ولا يبرئ ظالمًا , ولا يقرب لئيمًا , ولا يبعد ناصحًا , ولا يستغل منصبًا , ولا ينافق رئيسًا , ولا يخشى طاغية .
إنَّ على الحاج وغير الحاج أن يتأمل تلك الثياب البيضاء, التي يرتديها الوافدين إلى المشاعر المقدسة , فهي تذكرك بأمرين:
أما الأول: فهي تذكرك بكفنك الأبيض الذي ستلف فيه يومًا ما شئت أم أبيت , ولتلقى في حفرة ضيقة موحشة , لا أنيس ولا جليس , وقد تركت مالك الذي أشقيت نفسك من أجله , فإذا به يُقسم أرباعًا وأسداسًا , على أُناس لم تقطر جباههم قطرة عرق واحدة في تحصيله , ولا سهرت عيونهم ساعة واحدة في جمعه .
إن ثياب الإحرام , جديرة بأن تذكرك قصورك وسياراتك, وحشمك وخدمك التي خلفتها وراءك ظهريًا, فقدمت على قبرك خالي اليدين من كل رصيد , إلا عمل صالح تحتسبه عند ربك ومولاك, فلم يعد ينفعك مالٌ ولا ولد , ولا جاه ولا منصب , لم يعد ينفعك إلا توحيدٌ خالص من كل شائبة , وصلاة حافظت عليها في المنشط والمكره , وزكاة أخرجتها عن طيب نفس , وصوم احتسبت أجره وثوابه , وحج أكملت به دينك , لم يعد ينفعك, غير معروف أمرت به ، وائتمرت به , أو منكرًا انتهيت وحذرت منه .