فهرس الكتاب
وأما الأمر الثاني: فإنَّ ثياب الإحرام التي يشترك في لبسها الحجاج كلهم , كبيرهم وصغيرهم , أميرهم ووضعهم , جديرة بأن تذكرك ذلك التماثل الدقيق , الذي تشترك فيه تلك الجموع الهائلة , المحتشدة في أرض المحشر العظيمة, ولئن كان الحجاج يشتركون في لبس ثيابٍ بيضاء متشابهة , فإن مبدأ التميز يظل موجودًا بصورة أو بأخرى , إما بمسكن يسكنونه , أو مركب يستقلونه , أو حاشية تحيط بهم من كل جانب , إلا أنه في اليوم الآخر , تسقط الهالات الكاذبة , وتتبخر النياشين الزائفة , وتتهاوى العروش المصطبغة, فلم تعد تميز بين أعظم ملكٍ ملكَ الأرض , وبين أفقر عبد وضيع خالي اليدين , وأنَّى لك أن تميز بين حفاة عراة غرلا , تصطك أسنانهم هلعًا ورعبًا , من هول ذلك الموقف الرهيب , (( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) ).
أيها الأخوة المسلمون: إذا لم يحقق الحج في نفس الحاج وضميره تقوى تردعه عن كل منكر , ووازعًا يزجره عن كل فجور , وإيمانًا يأمره بكل فضيلة , وشعورًا يلازمه ويذكره بالدار الآخرة , فحجه ميت سقيم .
لقد غفلت جموع من الحجيج عن مقاصد الحج, وأهدافه وحكمه, وغاب عن أذهانهم حديث النبي r: « من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه » [1] , رجع بصفحة بيضاء نقية , قد مسحت ذنوبه وسيئاته .
إن على الحاج أن يتذكر هذا الحديث الشريف, كلما حدثته نفسه بمعصية, أو خطيئة من نظرة إلى حرام, أو مواقعة لمنكر , أو حاول أحد أن يستدرجه إلى مجلس غيبة أو نميمة , أو عنا له أن يطلق للسانه العنان, فيسب ويشتم ويلعن.