وأما الصورة الثانية: رجل اسمه قزمان، خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد فأبلى بلاءً حسنًا ، وكان لا يدع للكفار شاذةً ولا فاذةً إلا أتبعها يضربها بسيفه ، حتى قال بعض الصحابة: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إنه من أهل النار"، فتتبعه صحابي آخر فرآه قد أُصيب فهنأه بالشهادة وبشره ، فقال: بم تبشرون؟ والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت ، ثم أخرج سهمًا من كنانته فقتل به نفسه ، فمات كافرًا .
بل أقول: يكفي في بيان خطورة النية وعمل القلب: الحديث العظيم، حديث أبي كبشة الأنماري عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة:"وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل .. وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء .. وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل .. وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء"رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بسند صحيح .
إذن النية النية ، فإنها تصحح العمل وتعظمه ، وهي الإكسير الكيماوي الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبًا خالصًا.