فهرس الكتاب
في تلكَ المشاعر ِالمقدسةِ يُعانقُ المسلمُ العربي أخاهُ المسلمَ الأفريقي, ويحتضنُ المسلمُ الأسيوي أخاه المسلمَ الأوربي, وقد تناسى الجميعُ كافةَ الوثائق الرسمية, والهوياتِ الشخصية, والانتماءاتِ الوطنية, وانصهرتْ كلُّ العلائقِ في بوتقةِ الإسلامِ العظيمة. في هذه المظاهرِ كلِّها إعلانٌ لسقوطِ كلِّ الدعواتِ الأرضية, والعصبياتِ الجاهلية, والشعاراتِ القومية, والتي ما انفك يدعوا إليها سفهاءُ العالم, وشُذَّا ذ ُ الآفاق الذين ملئُوا الدنيا ضجيجًا، بدعواتِهم المتهالكة, وأطروحاتِهم الفارغة, متناسينَ بسفهٍ وغرور، أن قيمةَ الإنسانِ ووزنَه, ورفعتَه ومجدَه, إنما هو بمقدارِ تمسكهِ بالإسلام, وانتمائهِ للإسلام, واعتزازهِ بالقيمِ التي جاء بها الإسلام: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) [الحجرات:13] .
لا فضلَ لعربيَّ على أعجميَّ, ولا لأحمرَ على أسود إلا بالتقوى, إنه المعيارُ الأصلي, والمقياسُ الدقيق لتفاضلِ الناسِ وتمايزِهم, و وهو ذاتُ المعيار الذي رفعَ بلا لًا وعمارًا وابنَ مسعود, ووضعَ أبا جهلٍ ومُسيلمةَ وأمثالهم , قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وما فقدَ المسلمون عزتهم, ولا غابتْ هيبَتَهم, ولا استأسدَ عدوُهم، إلا يومَ تأرجحَ ميزانُ العدلِ في حياتِهم, وسادتْ الحزبيةُ في أوساطِهم, وارتفعتْ أسهمُ الطبقيةِ في مجتمعاتِهم.
وأما رابعُ دروسٍ الحجُ وفوائدَهُ الجليلة: فهو الإعلانُ الواضحُ أنَّ الطريقَ الوحيد لوُحدةِ الأمةِ وتماسكِها: إنما ينطلقُ من شِعابِ مكةَ وأرضِ عرفات. تلك الوحدةُ التي تقومُ على أساسِ العقيدةِ الواحدةِ, والإسلام الوسط, حيثُ الإلهُ الحق والنبيُّ المعصوم .