فهرس الكتاب
فهي وحدةٌ لا تُفَرَقُ بالحدودِ الجُغروفيةِ, ولا بالقيودِ القانونية, ولا تبني جسورَها على أساسِ المصلحةِ, أو الحزبيةِ الجاهلية, ولا ريبَ أنَّ أيَّ محاملةٍ وحدوية لا تقومُ على أساسِ العقيدةِ الصحيحة, فهي وحدةٌ آيلةٌ للتفككِ والانهيار, طالَ الزمانُ أو قصر.
والمتأملونَ في سيرةِ النبي r يدركونَ جيدًا كيفَ تمكنَ عليه الصلاة والسلام من بناءِ الوحدة, وصُنعَ التلاحمِ الوثيقِ بينَ أناسٍ كانوا إلى عهدٍ قريب, مضربَ المثلٍ في الشتاتِ والفرقة, والتشردِ والاختلاف, تسودُهم الحروبُ الدموية, وتسيطر عليهم العصبيات القبلية.
فإذا بعقيدةِ الإيمانِ تذيبُ كلَّ تلك العقباتِ الكؤود, وتختصرُ كلَّ المسافاتِ البعيدة, لتصنعَ ملحمةَ التوحيدِ الكبرى, وتقيمَ جدارَ الإيمانِ الصلب في زمنٍ أقربُ للخيال, وبجهدٍ أشبهُ بالمعجزات.
والمسلمون اليوم قادرونَ على إعادةِ المحاولةِ, وتكرارِ التجربةِ متى صدقتْ عزائمهم, وحسُنتْ نواياهم, وخلتْ نفوسُهم من الغشِ والخديعة, والمكرِ والاحتيال. وهم محتاجونَ للوحدة لاستعادةِ هيبتهم, وبناءِ أمجادهم, ودفعِ مسيرتِهم, نحو السيادةِ والريادة, فإنْ تعذرَ ذلك فلا أقلَّ من الوحدةِ لدفعِ الضالِ عن ديارهم, والذبِ عن حرماتهم, ووقوفِ النزيفِ فوقَ أرضِهم الذي أراقهُ شراذمُ يهود, وعلوج النصارى, يوم غابتْ الوحدةُ الجادة, واختفى مفهومُ الجسدِ الواحد.
بارك الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ يعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, يضرُ وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور أما بعد:
أيها المسلمون:
فإن للحجِ دروسًا لا تُحصى, ومآثرَ لا تُنسى, وما لا يُدركُ كلُه لا يتركُ جلُه والمسلمونَ اليومَ أحوجُ ما يكونونَ إلى العودةِ إلى أصلِ دينِهم, وفضائلِ شريعتِهم, حيثُ مصدرُ العزة, وأساسُ النهضة, ,ومبعثُ القوة.