فهرس الكتاب
وأمَّا المعْلمُ الثاني: الذي يقومُ عليه منهجهم في الدعوةِ و الإصلاح, كونُهُ يقومُ على قاعدةٍ متينة, راسخةً من العلمِ و الفقهِ في الدين. (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ) ) (يوسف: من الآية108) . لذا كان عليه الصلاة السلام ينتقي دُعاتهُ انتقاءً, ينتقيهم من العلماءِ الراسخين, و طلبةِ العلمِ النابغين, هاهو يُرسلُ معاذًا وأبا موسى إلى اليمن, لما يَعلمهُ من طولِ باعهما في العلم, و رسوخِ قدميهما فيه, بيدَ أنَّ العلمَ المطلوبُ في الدعوةِ لا يعني الإحاطةَ و الشمول, فذاك متعذرًا أو مستحيل, إذ لا يُشترطُ في الداعيةِ أن يكونَ مفسرًا بارعًا كالطبري, أو مُحدثًا حافظًا كالبخاري, أو فقيهًا ذكيًا كالشافعي, و لكنهُ يدعو بحسبِ ما لديهِ من علم, و ينصحُ بقدرِ ما عندهُ من فائدة, كان الرجلُ يقدمُ المدينةَ فيتلقى من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مبادئَ الإسلام, ثُمَّ يعودُ بها سريعًا إلى قومهِ فيصبحُ أستاذهم وشيخهم و إمامهم في الصلاة, إنَّما المحذورُ أن يفتخرَ الإنسانُ بما لا يعرف, ويتكلمُ بما لا يُجيدُ, و يفتي بما لا يعلمُ, و يُحللُ و يُحرِّم, و يُبَدِّعُ و يُفسِّق, و يَجرمُ ويَخُون بلا علم, و لا هُدىً و كتابٍ مُنير, ويا لمصِيبتنا بأمثالِ هؤُلاءِ الذين يخوضون في أهلِّ بدر,وكبارِ المهاجرينَ و الأنصار, ولو عُرضت على شيخِ الإسلامِ لقدمَّ قدمًا و أخر أُخرى قبلَ أن يتفوهَ بكلمةٍ, أو يَخُطَّ حرفًا .