عباد الله: عندما وطئت أقدام محمد عليه الصلاة والسلام أرض طيبة الطاهرة عني عناية خاصةً بإقامة رابطة الأخوة الإيمانية بين أبناء مجتمعه الأول ، فكانت على رأس سُلم أولوياته عليه الصلاة والسلام ، أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم علينا عبدالرحمن بن عوف المدينة ، فأخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع ، وكان سعد كثير المال ، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا ، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين ، ولي امرأتان (وكان ذلك قبل فرض الحجاب) فانظر أعجبهما إليك ، فأطلقها حتى إذا حلَّت تزوجتها ، فقال: عبدالرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ، دلوني على السوق ، ثم أصبح عبدالرحمن بعد ذلك من أكثر الصحابة رضي الله عنهم مالًا .
عباد الله: الأخوة قوام الحياة بل هي ماء العيش كما قال سفيان رحمه الله: لا بد من أخ تبثه شكواك ، ويعينك على بلواك، ومن وجد له أخًا تهواه نفسه ، وتعجبه فعاله ، ويرضى الله عن خصاله ، فليتمسك به ، فإن أعجز الناس من فرط في طلب الأخوان الأوفياء ، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم ، ويقول عمر رضي الله عنه: لقاء الأخوان جلاء الأحزان .
وما المرء إلا بإخوانه * ... كما يقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة * ... ولا خير في الساعد الأجذم
أيها المسلمون: إن ثمرة الأخوة لا تقتصر على الدنيا فقط بل يمتد أثرها ، ونفعها إلى الدارة الأخرة ، وهي الدار التي أحوج ما يكون فيها المرء إلى إخوانه وإحسانهم ، وهل هناك أعز وأغلى من أخ لك لم تلده أمك يكون سببًا في الشفاعة لك وإنقاذك من النار ، قال بعض السلف: (استكثروا من الأخوان فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة ) وشاهد ذلك ما جاء في الصحيحين ( فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ) ) .