عباد الله: ليست مفاجأة لنا ـ نحن المسلمون ـ أن يترنح اقتصاد يقوم على مبدأ الحرية المطلقة, ويتغذى على الربا, ويستند على السندات والديون, ويقامر حتى الثمالة! ولكنها مفاجأة للعالم المتحضر الذي لا يؤمن إلا بالقيم الرأسمالية, ولا يمتثل إلا لأفكارها, ولا يحترم إلا أبجدياتها وأدبياتها، كما أنها مفاجأة وإحراج لكل من نحا نحوهم أو دار في فلكهم أو سبح بحمدهم؛
أيها المسلمون: إن أسباب الانهيارات المالية الحاصلة في العالم لا يمكن حصرها فقط في الصعوبات التي تعرضت لها بنوك العقارات الأمريكية، نتيجة لهبوط الأسعار في سوق العقارات الأمريكية فحسب، وإنما هناك أسباب كامنة أخرى لا يمكن غض النظر عنها أو تناسيها، ومنها: أن الربا ومعاملاته الجائرة سبب رئيس لهذا الفساد الاقتصادي المهدد بالسقوط، وهذه حقيقة كشفها القرآن قبل أكثر من ألف عام حين أعلن الله تعالى حربه على المصرين على التعامل بالربا، وأنى لقوة - مهما كانت - أن تصمد لحرب الله، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ... } [ سُورَةُ البَقَرَةِ: 278 - 279] ، ويؤكد الذي لا ينطق عن الهوى في سنته، أن عاقبة الربا إلى قل وإن توهم المرابون خلاف ذلك، روى الحاكم بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الربا وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قل".
عباد الله: ومن أسباب هذه الأزمة ظلم أولئك القوم للمسلمين وغير المسلمين، الظلم ما أشد عاقبته وما أسوأ نهايته وما أقبح خاتمته! فكم ظلمت تلك الدولة الكافرة المستكبرة، وكم طغت وبغت، وكم اغترت وقالت: إنها أشد الناس قوة، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: 15] .