وحينما نقلب صفحة أخرى من حياة هذا الإمام نرى التميز في الجانب الأسري وتربية الأولاد، فلم تشغله هموم العلم والدعوة والإصلاح والجهاد عن أسرته وحسن العشرة لأهله وزوجه، يقول الإمام أحمد رحمه الله: تزوجت أم صالح فأقامت معي ثلاثين سنة، فما اختلفت أنا وهي في كلمة واحدة .. وخلف الإمام أحمد وراءه أبناء بررة، وعلماء سفرة، كانوا من ثمرات هذا البيت الصالح .
وفي صفحة أخرى من سجل هذا الإمام الجليل، يظهر إنصافه للمخالف، وسلامة صدره للمسلمين، وتقديره لأهل العلم وإن اختلف معهم، ولما عتب عليه بعضهم وأرادوا إثارة الخلاف بينه وبين الشافعي قال: مه، ما رأت عيناي مثل الشافعي، وقال: إني لأدعُو الله للشافعي في صلاتي منذ أربعين سنة.
وفي الصفحة الأخيرة من حياة هذا الأمام .. في سنة مائتين وإحدى وأربعين ، وبعد حياة حافلة بالخير والعطاء، أصيب الإمام أحمد بالحمّى، وحضرته الوفاة، يقول ابنه عبد الله: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده، فجعل يُغشى عليه ثم يُفيق، ثم يفتح عينيه ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، لا بعد، ثلاث مرات، ففعل هذا مرة ثانية وثالثة، فلما كانت الثالثة قلت له: يا أبتِ، إنك قلت كذا وكذا، فقال: ما تدري، هذا إبليس قائم حذائي عاضٌّ على أنامله يقول: فُتَّني يا أحمد، وأنا أقول: لا بعد حتى أموت. قال صالح: فجعل أبي يحرك لسانه بالشهادة حتى توفي رحمه الله وله سبعٌ وسبعون سنة وأيام.
وانتشر الخبر في بغداد، فصاح الناس ،وعلت الأصوات بالبكاء ،حتى كأن الدنيا قد ارتجت ،وامتلأت الشوارع بالناس .
ثم كان يوم الجنائز .. فشهدت جنازته جمعًا غفيرًا ، قيل: إنه لم يُشهد مثله في الجاهلية والإسلام، حتى بلغ من حضر جنازة الإمام أحمد ،سبعمائةَ ألف من الرجال ، وستين ألف من النساء ،هذا سوى من كان على السفن في الماء، حتى قيل: إن بعض غير المسلمين أسلموا ذلك اليوم لما رأوا جنازة الإمام أحمد .