لم يتأثر بالأهوال التي حاطت به ، ولا بالمؤامرات التي أحيكت ضده .. ولم يبال بالسياط التي كانت تلهب ظهره، ولا بالحديد الذي كبل فيه، ولا بالسجن الذي أودع به، فكل ذلك هين ما دام في سبيل الله، وصيانة كتابه من عبث العابثين واعتقادات المبطلين .
وضع الله له القبول في قلوب العباد ،وطار ذكره في الآفاق ،ودعا له المسلمون وتقربوا إلى الله بحبه ، وهو مع هذا في تواضع جم ، يخاف على نفسه من الاستدراج .
عباد الله .. تلكم هي مقامات العظماء ، ومناهج العلماء الأتقياء .. وهي القدوة الصالحة والأسوة الحسنة لنا ولأبنائنا .. نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاقتداء بهم، والتأسي بأخلاقهم، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين .
... ... الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى ...
عباد الله .. وفي صفحات أخرى من حياة هذا الإمام الهمام، تشرق صفحة العبادة وتزكية النفس بالصلاة والذكر والدعاء والتلاوة، وفي صفحة أخرى يتجلى الخلق الرفيع والسجايا الحميدة، زهدٌ وحياء، تواضعٌ وورع، تعففٌ وجود، بذلٌ وكرم، حبٌ للفقراء والمساكين، بعدٌ عن الشهرة والأضواء وحب الظهور .
قال ابنه عبد الله:"كان أبي أحرصَ الناس على الوِحدة، لم يره أحدٌ إلا في المسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق، ولا يدع أحدًا يتبعه". اهـ
كان الإمام أحمد كثير العفو عمن يسيء إليه. أساء إليه رجل، ثم عاد إليه نادمًا، وقال له معتذرًا: يا أبا عبد الله، إن الذي كان مني على غير تعمد ،فأنا أحب أن تجعلني في حل، فقال الإمام أحمد: مازالت قدماي من مكانها حتى جعلتك في حل .