فهرس الكتاب

الصفحة 830 من 13021

ولم يكن الإمام بمعزلٍ عن الأمة والمجتمع، بل كان عالمًا عاملًا، مصلحًا مجاهدًا، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، يلتزم مسالك الرفق والحكمة، ملتزمٌ بالطاعة، موافقٌ للجماعة، بعيد النظر في الإصلاح .

يقول ابن عمه حنبل بن إسحاق: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله ـ يعني: الإمام أحمد رحمه الله ـ وقالوا له: يا أبا عبد الله، إن الأمر قد تفاقم وفشا ـ يعنون: إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك ـ ولا نرضى بإمارته وسلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، لا تشقّوا عصا المسلمين، ولا تسفِكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريحَ ضَرٌ ويُستراحَ من فاجر .

وتمضي الأيام ، ويضرب الإمام أحمد أروع الأمثلة في الثبات على المبدأ، والصبر أمام الفتن، وذلك في فتنة القول بخلق القرآن، عندما استطاع المعتزلة الوصول إلى الخليفة المأمون، وأقنعوه بتبنيها وإكراه العلماء والناس عليها .

كان الجلادون يتناوبون على الإمام أحمد، كلما ضرب أحدهم الإمام أحمد سوطين ،تأخر وتقدم الآخر .. والخليفة يقول: قل بخلق القرآن، فيقول الإمام أحمد: أعطوني دليلًا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به.

وفي أحد الأيام جردوه من ثيابه ، وكانوا يضربونه حتى يغمى عليه ،فيفيق ،ثم يعيدون الكرة عليه، حتى قال عن نفسه: فذهب عقلي عند ذلك .. ثم نقل بعد ذلك إلى بيته ،وهو لا يقدر على السير من شدة ما نزل به .

لقد أوذي وسجن، وضرب وأهين، فلم يتغير له رأي، ولم تلِن له قناة، ولم يتزحزح عن الحق ، مسطرًا أعظم الدروس للعلماء والمصلحين في كل زمانٍ ومكان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت