أيها المسلمون: ليس التوحيدُ كلمةً يتلفظ بها المرءُ دونَ معرفةٍ منهُ بمعناها ، وعملٍ بمقتضاها، وسلامةٍ مما ينافيها ويناقضُها وإلا لنفعت تلك الكلمةُ المنافقينَ الذين يتلفظونَ بها ليلَ نهار ، ولكنها لا تزنُ عندَ الله شيئًا لأنهم كاذبونَ في قولها مخالفونَ لمعناها ومقتضاها ، واقعونَ فيما يناقضُها، قَيَل للحسن البصري رحمه الله: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا اللهُ دخلَ الجنةً ؟ فقال: مَن قالَها وأدى حقَّها وفرضَها دخل الجنة، وقال وهبُ بن قتيبةٍ رحمه الله لمن قال له: أليسَ مفتاحُ الجنةِ لا إله إلا اللهُ ، قال: بلى ، ولكن ما من مفتاحٍ إلا ولهُ أسنانُ ، فإن جئت بمفتاحٍ له أسنان فتح لك ، وإلا لن يفتح لك .
عباد الله: إن التوحيدَ الحقَّ هو إفرادُ الله - تعالى - بما يختصُ به من الربوبيةِ والألوهيةِ والأسماءِ والصفاتِ ، هو أن يشهدَ الموحدُ قيوميةً الربِّ تعالى فوق عرشه ، وانه سبحانه يُدبرُ أمر عبادِه وحدَه فلا خالق ولا رازقَ ، ولا معطيَ ولا مانعَ ، ولا مميتَ ولا محيي ، ولا مدبَر لأمر المُلكِ ظاهرًا وباطنًا - غيره ، فما شاءَ كانَ ، وما لم يشأ لم يكن لا تتحرك ذرةٌ إلا بإذنه ، ولا يجري حادثٌ إلا بمشيئته ، ولا تسقطُ ورقةٌ إلا بعلمِهِ ، ولا يعزبُ عنهُ مثقالُ ذرةٍ في السماواتِ ، ولا في الأرضِ ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ إلا أحصاها علُمه وأحاطت بها قدرتُه ونفذت بها مشيئتُه ، واقتضتها حكمتُه .
أيها المسلمون: لقد قسمَ العلماءُ التوحيدَ إلى ثلاثة أقسام: