فهرس الكتاب
والدته كانت محبتها متميزة له وتدعو له كثيرا بالفرج، وأن يحفظه الله بملائكة الأرص والسماء حتى في الساعات الأخيرة من خروج روحها، توجهت إلى القبلة وكانت تدعو لها بهذا الدعاء، وتقول:"حرمت منه بالجهاد والسجن فهل يا ترى أراه قبل أن أموت". وحين ذهبت معه أمه إلى باكستان، مرضت مرضا شديدا فخاف وحزن عليها كثيرا، وكان يبكي ويقول:"هل تموت أمي هنا فادفنها"، ثم شفاها الله، وحين عادت إلى الأردن، كان لا يحب أن يدخل غرفتها التي كانت بها، واذا دخلها بكى، لقد كان بارا بوالده، وحنونا على والدته ويداعبها كأنها طفل صغير ويلاطفها حتى عندما كان في السجن. كانت أمه مدرسة، ولقد تربت منذ صغرها تربية أهل البادية التي في جوهرها مكنونات الدين ومعادنه، كان لوالدته اثر كبير في حياته، فقد كانت طويلة الصمت، كثيرة العمل، طبيعتها كتلة حنان ومودة، ولقد أرهقت حياتها في خدمة زوجها الوجيه المضياف، وتصل الليل بالنهار في خدمة الناس والقيام بحقوق الضيافة، فهي عاملة وذكية وصاحبة إكرام للضيف، تعلمت هذا كابرا عن كابر، ولقد كان اهانة لها عدم اكرامها لضيفها، حتى لو لم يكن عندها شيء فتستدين لتكرم الغير، و كنت اعجب منها، كيف يكفيها خمسين دينار، ويؤم بيتها من لا يكفيهم مئات الدنانير، ولكن عجبي ينقضي حين أعلم من هي، فقد كانت متوكلة على الله، فكفاها الله المؤنة وكفاها الحاجة، حزنت عليها كثيرا ببعد ابنها عنها، كانت تحب الذهاب للعمرة أو الحج، قد كنت عزمت الذهاب معي إلى العمرة، ولكن ظروف التأشيرة حالت دون ذلك، فقالت لي يا عمتي بلسان العوام:"لايسير العبد حتى يسيره ربه"فقد كنت أعتبرها كأمي، وكانت تعتبرني كأبنها، وتقول لي:"أنت عندي مثل أحمد ابني"كان أبو مصعب كان بارا بها وبوالده فقال لأحبته من المجاهدين أن يحجوا عن امه وأبيه، فقاموا بالحج عن أبيه وأمه. أثرت شخصيتها البسيطة التي بنيت على التوكل في ابنها، حيث قامت بتربيته. يذكر دائما والدته ولا ينساها أبدا، كانت حريصة حرصا شديدا عليه، وتزوره في السجن بعد تجشم الصعاب كي تكتحل عينها برؤيته، ففي الوقت الذي تكون زيارة لوالدته، يتزين لها ويلبس أجمل الثياب وأفضلها حين يعلم أن أمه قادمة اليه، ويضع أجمل الطيب فيتعجب إخوته منه ويستغربوا فهو لا يفعل هذا الشيء ذاته لزوجته، فيقولون له:"لماذا تفعل ذلك، فيقول أبو مصعب:"اليوم زيارة أغلى الغوالي أمي"، ويخبرهم انها أمه قادمة إليه، ويقول كثيرا:"يا أمي أتمنى أن أخرج من السجن وأقبل قدميك وأبقى تحتهما وأعوضك عن الذي مضى"، كان مرحا معها ويدخل السرور على قلبها، ويقول لها كذلك:"يا أمي لا تطلبيني طلب بلا ءأمريني أمر، قولي يأ أحمد أحضر كذا فلك السمع والطاعة،، ولقد كانت تحظى بمشاعر فياضة من الحب والوفاء في ذاكرته ووجدانه، كان يشعر بفراغ في قلبه لأمه. تقول شقيقته مريم:"كان يتمنى أن تعود الحياة منذ الصغر ليرى مراحل حياته مع والديه وأهله، كانت ذكراهم تملؤه شوقا وحبا، يتمنى أن يراهم ويتملى منهم ويبقون شاخصين أمام عينيه ينظر لهم متى أحب"تقول عنه شقيقته أم قدامة منذ أن التزم لم يترك قيام الليل، وكنت أصحى عليه في الليل وأراه يصلي ويطيل الصلاة، وغالبا ما كنت أصحى من النوم، فأجده قد وضع لي تحت مخدتي دينارا أو نصف دينار، حيث كان هذا دأبه معي ومع شقيقاته. وتذكرعنه شقيقته ماجدة فتقول"أما عن عواطفه تجاه أمه أخواته لقد كان حنونا برا كريما في أمه وأخواته، شديد الود والحب لهن ويحافظ على ودهن وكان لا يشتري"