فربما لا يكون هناك معارضة كالاستحياء من الزناء. وربما تكون معارضة، فإذا وُجدت المعارضة فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلِّص من العيب الأكبر، ولو بارتكاب الأصغر. مثلًا: نساء الأنصار اللاتي كنَّ يسألن النبي - صلى الله عليه وسلم -، تَعارضَ عندهنَّ ضربان من الحياء:
الأول: الحياء من الله عزَّ وجلَّ ومن نبيِّه والناس أن يكنَّ جاهلاتٍ بأحكام الله؛ الذي هو مظنّة الوقوع في معصيته.
والثاني: الحياء من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن حضره، أن يُظهرن ما يُعدُّ إظهاره عيبًا عند الناس. فحَمَلتهنّ غريزةُ الحياء على التخلص من العيب الأكبر، وهو الجهل ومظِنَّة الوقوع في المعصية، ولو بارتكاب العيب الأصغر.
وكذلك ما رُوي عن المأمون - ما معناه - أنه أمر عَمًّا له شيخًا أن يتعلّم. فقال عمُّه: أليس قبيحًا بالشيخ أن يتعلَّم؟ فأجابه المأمون: إذا كان [ليس] [1] قبيحًا بالشيخ أن يكون جاهلا، فليس قبيحًا به أن يتعلَّم! أو كما قال [2] .
فها هنا عيبان: أحدهما أكبر، وهو كون الشيخ جاهلًا، والآخر كون الشيخ يطلب العلم.
فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلُّص من أكبر ولو بارتكاب الأصغر.
وقد يمكن الجمعُ بين الأمرين، فهو حسن.
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) انظر القصة في"تاريخ دمشق": (60/ 350) ، و"أدب الدين والدنيا"للماوردي (ص 30) .