ومثاله ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن أمره مَنْ أحدث وهو في المسجد أن يأخذ بأنفه ويخرج [1] . فإن ها هنا عيبين أحدهما أكبر، وهو أن يصلي وهو محدث. والآخر أن يعرف الناس أنه لم يقدر يضبط نفسه عن الحدث.
فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلص من الأكبر، ولو بارتكاب الأصغر، ولكنه أرشده - صلى الله عليه وسلم - إلى التخلص منهما معًا بتلك الحيلة.
وهذه الحيلة ليس فيها مَضرَّة على أحد، ولكنها من إيهام خلاف الواقع، وهو ضرب من الكذب، وإنما أُبيح للضرورة دفعًا لسفاهة السفهاء.
ونظير ما ذكرنا أن الغريزة نفسها تحمل صاحبها على دفع الأكبر ولو بارتكاب الأصغر = غريزة البخل. فإن البخيل إذا علم أن حاكمًا سيحكم عليه بعشرة آلافٍ، وظنَّ أنه إن رشا الحاكم بألفين مثلًا لا يحكم عليه، فإن غريزة البخل نفسها تحمله على بذل الألفين.
ومنه أمرُ عليٍّ للمقداد بسؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المذي [2] .
وبما قرّرتُه ظهر لك واضحًا أن ما قاله - صلى الله عليه وسلم - هو الواقع المعقول.
وأما ما حكاه بُشير عن كتب الحكمة، فإن المراد به ضرب مما يسمَّى
(1) أخرجه أبو داود (1114) ، وابن ماجه (1222) ، وابن خزيمة (1019) ، وابن حبّان (2238، 2239) وغيرهم من حديث هشام بن عروة, عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا. وقد اختلف في وصل هذا الحديث وإرساله، قال أبو داود إثرَه:"رواه حماد بن سلمة، وأبو أسامة عن هشام عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... لم يذكرا عائشة". وقد رجَّح الترمذي الإرسال في"العلل الكبير" (1/ 306 ط. الأقصى) .
(2) أخرجه البخاري (132، 178، 269) ومسلم (303) .