جريج.
فأما لفظ"الفَرَقيْن"، فإن كان بفتح الراء فيدفعه أن قِلال هَجَر معروفة بالكِبَر بحيث يضرب بها المثل كما مرَّ. وقد قال الأزهري [1] بعد أَنْ عاش في هَجَر ونواحيها سنين:"قِلال هَجَر والأحساء ونواحيها معروفة، تأخذ القُلَّةُ منها مزادةً كبيرةً من الماء، وتملأ الراوية قُلتين". والقِربة تكون من جلد واحد، والمزادة من جلدين ونصف أو ثلاثة، والراوية هي البعير الذي يحمل
= وهي مما لم يتابعه عليها أبو قرة، وهب أنه قد توبع فهي لا تثبت لما عرفت من الضعف. على أن قوله:"وقال في الحديث: بقلال هجر"ليس صريحًا في الرفع، فكيف وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جريج بلفظ:"قال ابن جريج زعموا أنها قلال هجر". فهذا صريح في الوقف. فسقط الاستدلال بها جملة.
ثم كيف يمكن أن تكون هذه الزيادة محفوظة، ولم ترد في شيء من طُرق الحديث المحفوظة التي بها ثبت أصل حديث القُلتين لا برواية مسلم بن خالد له، بل القواعد الحديثية تعطي أن هذه الزيادة منكرة لتفرد ابن خالد بها وقد ضعَّفه الأكثرون، ومن شاء الاستزادة من التحقيق فعليه بـ"الإرواء" (1/ 60) .
والحق أن حديث القلتين مع صحته، فالاستدلال به على ما ذهب إليه الشافعية صعب إثباته, وعليه اعتراضات كثيرة لا قِبل لهم بردها, ولقد جهد المؤلف رحمه الله لتقرير الاستدلال به وتمكينه من بعض الوجوه من حيث منطوقه ومفهومه، ولم يتعرض للإجابة عن الاعتراضات المشار إليها، فمن شاء الوقوف عليها فليرجع إلى تحقيق ابن القيم في"تهذيب السنين" (1/ 56 - 74) .
والمختار في هذه المسألة إنما هو المذهب الأول الذي قرره المؤلف رحمه الله تعالى, لأن حديثه مع ثبوته فالاستدلال به سالم من أي اعتراض علمي، بل هو الموافق لسماحة الشريعة ويُسرها. [ن] .
(1) انظر"تهذيب اللغة" (8/ 288) .