فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن التسامح يُطلب من طرفٍ صاحبِ حقٍ ليتغاضى عن حقه قليلًا ؛ أما أن يُطلب من أمم مستباحة وبلاد مدمرة و شعوب مستضعفة فهذا مما لا تفهمه العقول ؛ ورغم ذلك نقول: إن التسامح قيمة إيمانية وإنسانية عظيمة ، وحتى لو لم تكن المجتمعات المنحرفة والأنظمة العالمية تعطيها حقها فإن الإسلام يبقى دائمًا و أبدًا دين العقيدة السمحة و العدلِ الشامل4.
يقول تعالى: (وما خلقنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما إلا بالحقِِ وإن الساعة لآتيةٌ فاصفَح الصفح الجميل) 5 أي وما خلقنا السماواتِ و الأرضَ إلا خلقًا مُتلبسًا بالحق والحكمة الثابتة التي لا تقبل التغيير وهي الاستدلال إلى الصانع و صفاته و أسمائه و أفعاله ليعرفوه فيعبدوه ؛ بحيث لا يلائم استمرارُ الفسادِ ؛ لذلك اقتضت الحكمة إرسالَ الرسلِ و إن الساعة لآتية فيجزي كلًا بما كانوا يعملون ؛ (فاصفح الصفح الجميل) أي عاملهم معاملة الصفح الحكيم ، ولما صَبَّر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على أذى قومه و أمره بالصفح الجميل اتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خصه بها ؛ لأن الإنسان إذا تذكر كثرةَ نِعَمِ الله عليه سهل عليه الصفح و التجاوز فقال تعالى مذكرًا بنعمه: (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني و القرآن العظيم) 6 فيا أمة محمدٍ صلى الله على محمد وآل محمد: أبعدَ نعمةِ الإيمان و نعمةِ القرآن يكون دأبكم في أمور صغيرة! والله ما هذا شأنكم ، بل أنتم أتباع رسولٌ آذاه قومه وعذبوه وأخرجوه ؛ فلما أقدره الله عليهم دخل ظافرًا منتصرًا وكله تواضعٌ لله وكان في وسعه أن يُبيدَ كل من عاداه ولكن نقلت عن كتب السيرة أنه قال: (ما تظنون أني فاعل بكم فقالوا: خيرًا أخٌ كريم و ابن أخ كريم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) 7 واختار رسول الله أن يعفو عنهم ويصبر على ما كان منهم ويدع عقوبتهم تفضلًا منه و احتسابًا فقال: (نصبر و لا نعاقب) 8 ، وذلك بعد أن نزل قوله