وسراب الحياة يملؤها بالطمع أو الجبن أو التهالك أو الانطواء ؛ فيأتي ذكر الموت فيطيح بالسراب فتظهر الأمور على حقائقها ، ومن أجل أن القبور تذكر بالموت فقد قال الهادي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) 14، والجاهل لا يعرف أن للمؤمن مع أهل القبور خطاب بليغ يتعظ به وكان صلى الله عليه وآله وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) 15، يا أيها الناس، الدنيا تلهينا والعمر يطوينا وكم من وهم نعيشه.
وبسبب قسوة القلب والغفلة يمعن البعض بعدم سماع أي شيء يذكرهم بالموت ظانين أنهم سيفلتون! (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) 16، ورحم الله الرافعي إذ يقول: من يهرب من شيء يتركه وراءه إلا القبر فما يهرب منه إلا وجده أمامه! هو أبدًا ينتظر غير متململ وأنت أبدًا متقدم إليه غير متراجع ؛ ذلك الواعظ الصامت يذكر بالآخرة:
الناس في غفلة والموت يوقظهم ... وما يفيقون حتى ينفد العمر
يشيعون أهاليهم بجمعهم وينظرون إلى ما فيه قد قبروا
ويرجعون إلى أحلام غفلتهم ... كأنهم ما رأوا شيئًا ولا نظروا ...
فاعتبروا يا أيها الناس .. فمن قصص أهل الاعتبار نتعلم.