إن هذا المنطق مرفوض ابتداء فالله تعالى يقول: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) 3 أي أن التكذيب للحق والإعراض عن القرآن إنما حصل بسبب جهلهم وفوات الفهم الصحيح ؛ لأنهم لو علموا الحقائق لما وقع التناقض فيهم ، وهذه حال الذين من قبلهم كذبوا بآيات الرسل قبل التدبر في معانيها فكان ذلك سببا لهلاكهم ، وهي عاقبة مستمرة لكل معرض جهول ، والحق أبلج لا يخفى على أحد ، ولكن المشكلة تكمن في نقطتين هامتين: الأولى ضرورة معرفة الفكرة الصحيحة ولو لم يقدر الإنسان على فعلها ، والأصل أن لا يفترق الفكر عن العمل ولا العقيدة عن السلوك ولكن الجاهلية المنحرفة توقع الناس في خبلها وتعمِّي الأمور ؛ حتى يضيع الحق كله ويصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا. لنأخذ مثلا موضوع الرشوة ؛ هل الرشوة حلال أم حرام؟ لا يختلف اثنان من أمة لا إله إلا الله على حرمتها وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم) 4 ؛ فإذا فسد مجتمع من المجتمعات فأصبحت الأمور لا تقضى إلا بالرشاوى فهل تصبح الرشوة حلالا؟ اللهم لا ؛ فالرشوة كما قال الإمام الذهبي:كبيرة ، والعلامة المناوي في فيض القدير يقول عن الرشوة ما مؤداه: إنما هي خصلة نشأت من اليهود المستحقين للعنة ؛ فإذا سرت إلى أهل الإسلام استحقوا من اللعن ما استحقه اليهود.
فالرشوة في ضمير المسلم حرام حرام دائما أبدا ؛ لا تختلط عليه الأمور ولا يلتبس معه الحق بالباطل ولا يستسهلها ولا يبررها ولا يقبلها ؛ فتبقى لها في قلبه رهبة وفي نفسه نفور ، ولكن ما الحال إن وجد في ظرف اضطر فيه إليها اضطرارا كأن وقع بين يدي ظالم لا يعطيه حقه إلا بالرشوة مثلا؟ هل يفقد إحساسه بلعنتها و يفقد حساسيته الإيمانية بخطرها على المجتمع كله؟ اللهم لا.