فإن أدرك ذلك نظر إلى قرآنه تفكرا وتدبرا فعلم النقطة الثانية وهي أن من وجوه إعجازه فضحه الشمولي لأسباب الفساد والكفر والنفاق فمن علمها لم يخدعه أحد يوما ؛ فإن الغافل أو الجاهل إنما يؤتى لعدم معرفته بأن الفساد يتخذ شكلا نفاقيا في الحياة يدجل فيه على الناس فتختلط الأمور عليهم وصدق تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) 6 ولقد صرف الله تعالى في هذا القرآن للناس من كل مثل ؛كيلا يضيعوا ، وكما تركب الصورة المدهشة من آلاف القطع الصغيرة التي يسمونها الـ (puzzle) فكذلك فساد الأرض كله ينظر الناس إليه من خلال القطع الصغيرة فلا يحسون بخطره فإذا اجتمعت في فكرهم و أمام أنظارهم القطع بان الفساد صورة واحدة بشعة ؛ لو عرفها المؤمن لهان عليه دمه وماله وأهله وولده في سبيل دفع أذاها عن الحياة كلها ، والتفصيل في الموضوع لا تحتمله الخطبة وإنما نشير إليه إشارة ؛ فمن وجوه الإعجاز القرآني فضح النفسية النفاقية على كافة المستويات بدءا من فرعون موسى (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) 7 ، وهي نفسية الطغاة فانهم يظنون أن الإيمان شيء يظهرونه يوافقون به ما يهوى الناس ، والسياق القرآني يظهر لنا كيف أن فرعون لم يقل: لا إله إلا الله بل قال: (لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) أي أنه حتى في لحظات الغرق ظن أن النفاق لقومه سينجيه ؛ فماداموا مسلمين لله قال: وأنا من المسلمين ، ولو كانوا شعبا آخر لقال لا إله إلا الذين تؤمنون به ، وأنا على دينكم (لا اعتقادا قلبيا بل نفاقا لسانيا للنجاة) فلو كانوا مجوسا لقال انه مجوسي ولو كانوا عباد أبقار أو أوثان أو أصنام أو نيران لألقى إليهم بما يوهمهم معه أنه على دينهم. ولعل دولة النفاق الكبرى الولايات المتحدة تتبع خطى فرعون فهي ساعية في خطة خبيثة لاستئصال كل