فهرس الكتاب

الصفحة 4372 من 9788

4ًـ بناء الضمير الناضج: أي ماذا يجب أن أفعل؟ إن الإنسان عندما يختار نموذجًا يقتدي به تواجهه حالات تحتاج إلى بُعد نظر في تقدير ملاءمتها للقدوة المختارة ، وبقدر فهم النموذج أو القدوة يكون التصرف قريبًا من الصواب ؛ انظروا مثلًا كلام سفيان الثوري: (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة ، فأما التشديد فيحسنه كل أحد) تجد أنه يضع قاعدة توازن عظيمة شرحها بشكل تطبيقي عملي الإمام المزني أحد خلفاء الشافعي في العلم إذ قال فيه عمرو بن عثمان: (ما رأيت أحدًا من المتعبدين في كثرة من لقيتُ منهم أشدّ اجتهادًا من المزني و لا أدوم على العبادة منه و لا رأيت أحدًا أشدّ تعظيمًا للعلم و أهله منه وكان [وهنا بيت القصيد] أشدّ الناس تضيّقًا على نفسه في الورع وأوسعه في ذلك على الناس ، وكان يقول:"أنا خُلُقٌ من أخلاق الشافعي") .. عدم اتضاح قاعدة (ماذا يجب أن أفعل) لها نتائج خطيرة . أحيانًا يكون الإنسان في موقف صدعٍ بالحق فيقال عنه متهور ، أحيانًا يكون في موقف حكمة يقال عنه جبان ، أحيانًا يكون في موقف هداية يقال عنه منافق . وقد يكون في موقف نفاق اجتماعي فيقال عنه لبق ، وقد ورد في الحديث الصحيح أنه يأتي على الناس زمان يقال للرجل فيه"ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه حبة خردل من إيمان"8 .

و في حديث البخاري ومسلم أنَّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال:"إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم و يظهر الجهل"9 . وفهم منها الإمام الشعبي أنه لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلًا و الجهل علمًا ، و بناء الضمير الداخلي الذي يتقن التصرف الصحيح وفق الطريق المستقيم وضحه القرآن الكريم في قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سُبُلنا وإنَّ الله لمع المحسنين) 10.

من دون المجاهدة و البحث واكتساب التجربة والخبرة لن تعرف الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت