فهرس الكتاب

الصفحة 4380 من 9788

لا بد من عمل إيجابي متواصل و دائم ، و الذين يظنون أن الأمم بنيت بالكسل فإنما هم في وهم بعيد . لقد طلق مصعب بن عمير حياة الترف وتحمل كل المشاق في سبيل الله و مضى يجني في كل دقيقة من وقته في المدينة قلبًا يهديه إلى الله ، و القسطنطينية لم تفتحها للمسلمين جيوش جرارة إنقَضَّت عليه في لحظة نوم للتاريخ ، بل كانت ثمرة زرع طويل افتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أشار في الحديث الصحيح إلى أن تلك المدينة ستفتح ( ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش‍‍ ) 18 ...

إن أحد صانعي ذلك الفتح العظيم: أستاذ اسمه آق شمس الدين كان مربيًا لطفل اسمه محمد بن مراد وكان يمسك بيده ويسير به على شاطئ البحر مشيرًا إلى أسوار القسطنطينية العظيمة الشاهقة ، ثم يقول له: هذه المدينة بشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتحها ، وأثنى على الجيش الذي يفتحها ، والأمير الذي يقود ذلك الجيش ... كان فتح القسطنطينية حلمًا يراود خلفاء المسلمين ؛ كلهم كان يطمع بذلك ولم يستطع أحدهم الفوز بتلك البشارة حتى جاء آق شمس الدين فزرع في قلب تلميذه الصغير حب الجهاد و فتح المدينة التي استعصت على خلفاء المسلمين ، ونما ذلك الزرع ، وتألق ذلك الحب حرصًا وتراكمت أسباب الفتح واحدًا بعد الآخر ، وإذا بالطفل الصغير يرى الفتح همًا لا بد له أن يتحقق ، وإذا به يُعِدُّ نفسه و يبني ما حوله ليفتح القسطنطينية ، و في يوم من أيام التاريخ تحقق العمل الطويل ، وتراكم جهد البناء في فتح مؤزر وإذا بمحمد الصغير هو السلطان محمد الفاتح ، وإذا بالمدينة العظيمة قد فتحت على يديه ، وارتج العالم الغربي كله لسقوطها وعمره الفاتح لا يتجاوز الثانية و العشرين ..

إن التغيير عمل تراكمي طويل وليس حماسة طائشة ، و بهذا نفهم كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في مكة المكرمة ثلاثة عشرعامًا يبني النفوس ويمهد لقيام الحضارة الربانية في تتابع وتناغم مدهش وفريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت