التعبد من هذه الوجوه الاجتهاد في تفريغ القلب للعبادة والانصراف عما سواها ويقوى ذلك ويضعف بحسب قوة الإيمان بالله واليوم الآخر والوعد والوعيد منها التفهم والتدبر لما تشتمل عليه الصلاة من قراءة وذكر ومناجاة لأن حضور القلب والتخشع والسكون من غير فهم للمعاني لا يحقق ا لمقصود ومنها الاجتهاد في بدفع الخواطر النفسية والبعد عن الصوارف الشاغلة وهذه الصوارف والشواغل عند أهل العلم نوعان صوارف ظاهرة وهي ما يشغل السمع والبصر وهذه تعالج باقتراب المصلي من سترته وقبلته ونظره إلى موضع سجوده والابتعاد عن المواقع المزخرفة والمنقوشة والنبي صلى الله عليه وسلم لما صلى في خميصة لها أعلام وخطوط نزعها وقال إنها ألهتني آنفا عن صلاتي متفق عليه من حديث عائشة والنوع الثاني صوارف باطنة من تشعب الفكر في هموم الدنيا وانشغال الذهن بأودية الحياة ومعالجة ذلك بشدة والتفكر والتدبر لما يقرأ ويذكر ويناجي ومما يعين على حضور القلب وصدق التخشع تعظيم المولى جل وعلا في القلب وهيبته في النفس ولا يكون ذلك إلا بالمعرفة الحقة بالله عز شأنه ومعرفة حقارة النفس وذلها وقلة حيلتها وحينئذ تتولد الاستكانة والخشوع والذل والإنابة أمر آخر أيها الأخوة يحسن التنبيه إليه وهو دال على نوع من الانصراف والتشاغل مع ما جاء من عظم الوعيد عليه وخطر التهاون فيه ذلكم هو مسابقة الإمام في الصلاة فما جعل الإمام إلا ليؤتم به فلا تتقدموا عليه وقد قال عليه الصلاة والسلام أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار متفق عليه من حديث أبي هريرة وفي رواية أو صورة كلب وانظروا إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم مع نبيهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم يقول البراء بن عازب كنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا انحط من قيامه للسجود لا يحني أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض متفق عليه وكانوا يلبثون خلفه قياما