فهرس الكتاب

الصفحة 5035 من 9788

معركة المراغمة مع الشيطان 9 تشرين أول 2002 - 17:17 توقيت القدس

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن ي

ضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله .

( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ."سورة آل عمران ، الآية: 102"

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا ) "سورة النساء ، الآية: 1"

( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا(70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا (71) )"سورة الأحزاب ، الآيتان: 70،71"

أما بعد:

فاتقوا الله أيها الناس ، وراقبوه في سركم وعلنكم ، واعلموا أن تقوى الله عز وجل سبب الأمن في الدنيا ، والنجاة في الآخرة ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون(62) الذين أمنوا وكانوا يتقون ( 63) )"سورة يونس ، الآية: 62 ، 63".

عباد الله:

إن من حكمة الله تعالى وعلمه ، أن خلق هذا الكون ، علوية وسفليه ، وخلق الإنس والجن ، فجعل منهم كافرًا وجعل منهم مؤمنًا ، وهو بصير بما يعملون . أنزل الأبوين آدم وحواء من الجنة ، وأنزل معها الشيطان ، الذي أغواهما ، فأزلهما عنها وأخرجهما مما كانا فيه من النعيم المقيم ، فأنزلهم الله جميعًا إلى عرصات هذه الأرض ، لتبدأ مرحلة المراغمة بين بني آدم ، وبين الشيطان عليه لعائن الله ، أنزلهم جميعًا إلى الأرض بعد أن بث العداوة والبغضاء بينهم أبدًا ، فإبليس عدو لآدم ذريته ، حيث أخرجهم من الجنة ، وآدم وذريته أعداء لإبليس ، لأنهم جنس مفضل على جنس الجن ، حيث أمر الله بالسجود لآدم ، وآدم خلق من طين ، والطين طبيعته الثبات والدعه ، تودعه النواة فتخرج نخله ، وتودعه الحبة فتخرج سنبلة ، وبذلك علا جنس الطين على جنس النار ، التي طبيعتها الطيش والخفة والإفساد ، ويبطل بذلك زعم إبليس في قوله ( قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) "سورة ص ، الآية: 76"وكتبت عليه اللعنة إلى يوم الدين .

أيها المسلمون: لقد قال الله عز وجل: ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) "سورة فاطر ، الآية: 6". بذلك ، يبين الله جانبين هامين في هذه الآية ، الجانب الأول: عداوة الشيطان ، وأنها عداوة حقيقية لا يخالجها شك أو ريبة . كتب الله لها الدوام إلى قيام الساعة ، لكنها لا تعدو كونها حقيقةً نظريةً مجردة ، إن لم نحن نلتفت إلى الجانب الآخر المهم ، وهو الجانب العملي التطبيقي ، ألا وهو قول الله ( فاتخذوه عدوًا ) إننا أيها المسلمون لا نخشى على النفوس الكافرة من الشيطان فتلكم نفوس مظلمة ، قد ضرب الشيطان أطنابه فيها ورتع ، فزين لها سوء أعمالها ، حتى تولته وألفته ، ولكن الخوف كل الخوف ، والخشية كل الخشية ، على أنفس مسلمة ، لم تحسب للشيطان حسابًا في واقعها ، وباتت غافلةً عنه ، غير آبهة بمكره وألاعيبه ، وإن كانت معترفةً بقابليتها لألاعيبه وإغوائه لكونها غير معصومة ، إلا أنها نفوس اعتقد أهلها أنهم معقمون ضد الشيطان وخداعه ، محميون من آثاره وإفساده ، بعد أن كونوا حولهم هالةً مزيفةً ، من الاطمئنان لأحوالهم وأوضاعهم ، فلم يعرفوا بذلك معروفًا ، ولم ينكروا منكرًا .

قال بعض الناس: إن من أمكر حيل الشيطان أن يقنعنا بعدم وجوده ، ليس عدم وجوده في علم الواقع ، بل عدم وجوده داخل أنفسنا ، وهذا هو الشلل الأخلاقي بعينه ، المصادم لنصوص الكتاب والسنة ، في مثل قول الله عن إبليس ( ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) "سورة الأعراف ، الآية: 17". وفي مثل قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) "رواه البخاري ومسلم".

أيها الناس: لما علم عدو الله إبليس ، أن المدار على القلب ، والاعتماد عليه ، أجلب عليه بالوساوس ، وأقبل بوجوه الشهوات إليه ، وأمده من أسباب الغي ، بما يقطعه عن أسباب التوفيق ، ونصب له من المصائد والحبائل ، ما لو سلم من الوقوع فيها ، لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق . فمنذ يبدأ العبد المسلم مرحلة التكليف الشرعي تبدأ معه مسيرة الصراع المتواصل مع الشيطان ؛ معاندةً له ، وعصيانًا لتزيينه ، وإزاحةً لتسلطه وجبروته ، حتى يجليه عن تسعة مواضع يحاول الشيطان احتلالها ، وتسمى هذه المعركة معركة المراغمة ، قد كشف أهل العلم طبيعتها ، وبينوا المدارج التي يسلكها المسلم ، لنيل النصر فيها على هذا العدو اللدود ، الذي يجري منه مجرى الدم ، وفي أول مصادمة في هذه المعركة الطويلة الأمد ، يحاول الشيطان أن يستغل حداثة الحرب ، فيوقع في القلب الشبهات الكفرية ، فيصرع بذلك من ابن آدم برد أنينه ، واستراح من تعبه معه ، ثم بعد ذلك يصيره من جنده وعسكره ، ويستنيبه على أمثاله وأشكاله ، فيكون من دعاة إبليس ونوابه ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) "سورة الأنعام ، الآية: 121".

فإن لم يظفر الشيطان بالمسلم هنالك ، دعاه إلى شبهات من الابتداع ، التي هي أحب إليه من الفسوق ، بل هي رقية الكفر والشرك ، حيث إن ضررها متعد ، ينخر في جسد الأمة ، والمتورطون في ذلك من الأمة كثير .

فإذا أعجز الشيطان من ذلك ، وكان العبد ممن وهبه الله حب السنة ، ومعاداة أهل البدع والضلال ، نقله إلى مرحلة طول النفس ، ليهجم على المسلم مزينًا له الكبائر من الشهوات ، وله في ذلك انتصارات ونشوات ، إلا أن هناك سياجًا منيعًا ، لم يغفل عنه البعض من أمة محمد صلى الله عليه وسلم جعلهم في معزل عن كيده وألاعيبه ، فلم يطرقوا للكبائر بابًا ، ولم يقشعوا عنها حجابًا .

ولكن قد تعتريهم صغائر الشهوات ، التي إذا اجتمعت لربما أهلكت صاحبها . كيف لا ؟ وهي ساحة الشيطان الرحبة ، التي تتسع صولاته وجولاته فيها ، ولا ينجو مسلم منها ولا يكاد ، إلا بعون من الله ، ومدد متواصل يمنعه من الهجوم الغاشم ، فأما الغافل ، فيخرج طريحًا ، مثخنًا بالجراح ، مضرجًا بلوثة الذنوب ، والآثام ، وأما المؤمن الموفق ، فهو قائم منافح ، غير أنها الخدوش والوكزات ، التي لا يسلم منها مصارع ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنما مثل محقرات الذنوب ، كمثل قوم نزلوا ببطن واد ، فجاء ذا بعود ، وذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم ، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ) "رواه أحمد".

فإذا خسر الشيطان هذه الجولة ، علم أن عليه ألا يصادم المؤمن مجابهةً ، بل لابد من تجديد أسلوب المواجهة ، إذ يأخذ الشيطان طريقًا قلما ينتبه له كثير من الناس ، ألا وهو طريق التسويف والتأجيل ، الذي يكون نتيجةً للغفلة وطول الأمل ، فيا لمكر الشيطان ، إذ يبدي للإنسان عوائق وموانع ، تمنعه من فعل طاعة من الطاعات ، ويتمثل ذلك في صور عديدة من العوائق حسب عمل الإنسان ، ويبقى جوهرها واحدًا ، فهو يمثل للتاجر أن استقامته وتوبته ستبرز جليةً في واقع حياته فور ما ينتهي من هذه الصفقة أو تلك ، وأما الأب فيظنها تتحقق بزواج ولده وإطاحة همه ، وأما الإبن فهو يعتقدها باجتيازه لدراسته وفراغه منها .

وهكذا تشترك هذه الأمثلة في اتحاد جوهر الحيلة ، مع اختلاف مظاهرها وأشكالها ، إذ يدل واقع الناس على معتقدهم ، بأن إنهاء أمر هام من أمور الحياة سيمكنهم من التوجه إلى الإسلام ، أو العودة إلى ميدانه والدعوة إليه ، والأغرب من ذلك ، أنه بعد أن يزول هذا المانع أو ذاك ، فإننا لا نرى صاحبه قد وصل إلى ما كان يمني به نفسه من وضع جيد ، وإنما قد أوهمه الشيطان ، وخدره بالأماني المعسولة ، ولا أبعد النجعة ، إ'ن قلت إن المسلمين اليوم ، لم يسلموا من هذه الأحبولة الشيطانية ، وصدق المسلمين اليوم ، لم يسلموا من هذه الأحبولة الشيطانية ، وصدق الله ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا ) "سورة النساء ، الآية: 120"فكم من رجل ، انتهت حياته وهو لم يبدأ حياته بعد ، وانقضى عمره ، وهو لم ينب إلى الله ولم يتب .

فإذا نجا العبد المسلم من هذه المرحلة ، فسيعلم الشيطان ، أن هذا العبد ، فيه من صفات الإيمان والفطنة ما يتاح له بها التخلص من مكره ، إن لم يتقن الشيطان الطعان فيها فيندس له بأسلوب الناصح ؛ يحثه على أن يستكثر من عمل المباحات التي لم يختلف أهل العلم في حلها ، لينغمس فيها فيثقل ، ويركن إليها فيبرد ، ولذلك كان أسلوب العلماء رحمهم الله في القديم والحديث واضحًا ، في التقليل من المباحات الملهية ، التي يأنس لها القلب فتقعده عن قربة مستحبة ، أو فرصة سانحة ، ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إني ادع ما لا بأس فيه خشية الوقوع فيما فيه بأس . وقال القاضي الجرجاني رحمه الله مخاطبًا نفسه ، أنهنهها عن بعض ما يشينها مخافة أقوال العدا: فيم أولم ؟

فإن أعجزه العبد من هذه المرحلة ، وكان حافظًا لوقته ، شحيحًا به ، مدركًا لقيمة أنفاسه وزفراته ، نقله إلى مرحلة الإشتغال بالعمل المفضول عن العمل الفاضل ، فيبعثر عليه ترتيب قائمة الأولويات ، ويعكس له القواعد الشرعية ، في تفاضل الأعمال الإيمانية . فيأمره الشيطان بفعل الخير المفضول ، ويحضه عليه ، ويحسنه له إذا تضمن ترك ماهو أفضل وأعلى منه ، وقل من الناس من ينتبه لهذا ، لأنه لم يصل إلى علمهم أن الشيطان قد يأمر بمائة باب من أبواب الخير ؛ إما ليتوصل بها إلى باب أو أبواب من الشر ، وإما ليفوت بها خيرًا هو أعظم من تلك المائة وأفضل ، فيقصي من له علم نافع وفهم ثاقب عن جمهور المنتفعين به من المسلمين ، ويشغله بزيادة ركوع وسجود هما جليلان عظيمان ، لكن التعليم والدعوة أوجب عليه - بعد أداء الفرض - من زيادة ركوع أو سجود نفلًا ، لكنه متى استمسك بالفاضل الراجح ، وأبى تلبية نداء الشيطان فقد راغم الشيطان أبلغ المراغمة .

إلا أن ذلك ، لم يك كافيًا لحصار الشيطان في زاوية اليأس والقنوط ، بل للشيطان محاولات ومناورات ، واقتحامات من ثغرات أخرى ، إذ يبدي للعبد طيف خيال ، يملي عليه شعورًا وهميًا بكمال زائف ، يحس الفرد والمجتمع من خلاله أنه ليس هناك دواع معقولة تقتضي التصحيح ، أو تستوجب التحسين . فإذا ما أدى المسلم الفرائض ، واكتفى المجتمع بظواهر طفيفة من الإسلام ، اطمأن واكتفى ، ووصل إلى درجة الشعور بالكمال ، ولو لم يقر بذلك صراحة إنه الكمال ، ولكنه الكمال العقيم ، الذي لا نتيجة إيجابية بعده ، والذي يبقى في حالة من الركون والأمن المفرط والغرور بالوضع والحال ليصبح بذلك ، ممن يأمن مكر الله ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) "سورة الأعراف ، الآية: 99".

إن هذه الألعوبة الشيطانية كفيلة بأن تحجر الفرد والمجتمع ، وتجمدهم حول قناعات خاصة كونوها لأنفسهم ، وأمسوا وكأن ما يحملونه فقط هو الصواب ، مما بحرمهم من إصلاح أخطائهم من جهة ، ومن الاستفادة من الصواب الذي يأتي به الغير من جهة أخرى . إن الشعور الدائم بالتقصير هو الشعور الإيجابي المثمر ، الذي يدفع للعمل الآني واليومي ، ويمنح القدرة على العمل والاجتهاد والإنتاج ، وإن تغير ما بالنفس من تلك المفاهيم الزائفة من شأنه أن يغير ما بالناس من واقع ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) "سورة الرعد ، الآية: 11".

كما أن الشعور بالكمال العقيم شعور عاطفي لن ينفي عن كل مسلم مسئوليته عن أي سوء في حاله وسلوكه وحياته ؛ دينية كانت أو دنيوية ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ) "سورة النساء ، الآية: 123"فالأمر إذًا ليس بالأماني ولا بالعواطف ، إنما هو خاضع لسنة العمل والاجتهاد المنتج .

فإن سلم العبد في هذه المرحلة من مراغمة الشيطان ، فقد تحقق نصره على الشيطان أو أوشك ، وأسره للشيطان قاب قوسين أو أدنى ، لولا تلكم الكرة الأخيرة ، التي لا يمكن للمسلم أن ينفك منها إلا برحمة من الله ورضوان ، حيث يسلط عليه الشيطان حزبه من الجن والإنس ، فيرمونه بألوان مقذعة من الأذى ، ويصفونه بأحد ما وضع من ألفاظ مسفه ، يقصد الشيطان من ورائها إخماد العبد المسلم وإطفاءه ليشوش عليه قلبه ، ويمنع الناس من الانتفاع به ، ولكن مما يسلي النفس ، ويبعث الهمة ، أن هذه المرحلة لا يمكن أن يسلم منها بشر حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكم رمي وشتم ، وكم قوتل وحورب بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ، ولذا فإن من نجا من الشيطان فيما مضى من المراحل والمزالق ، فهو في هذه أحرى وأولى بإذن من الله ، أعاذنا الله وإياكم من نزغات الشيطان ومكره ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين(97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) )"سورة المؤمنون ، الآيتان: 97، 98".

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ، كما يحب ربنا ويرضاه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان .

أما بعد:

فيا أيها الناس: لما أطمأن الشيطان لبقائه إلى يوم البعث ، أخذ يسرد خطته ويفصح عن أهدافه ، ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين(39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) )"سورة الحجر ، الآيتان: 39 ،40".. فعدته هي تزيين القبيح وتجميله ، ومن ثم الإغراء على ارتكابه ، ومن هنا .. يقوم بالهجمه الأولى على بني آدم ، لحظة ولادتهم لينذرهم بالحرب ، فلا صلح ولا هواده ، إنما هي حرب ضروس .

ولذا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان ، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان ، إلا ابن مريم وأمه . ثم قال الراوي اقرأوا إن شئتم( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) "سورة آل عمران ، الآية: 36")"متفق عليه".

أيها المسلمون إن الشيطان الذي يضل كثيرًا من الناس ، إنه هو يبرئ نفسه ممن أضلهم ، حينما ينتهي الأمر بيوم الحساب ( وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) "سورة إبراهيم ، الآية: 22".

إن البقاء المستمر في طاعة الله وذكره الدائم على كل حال ، كفيل بالتخفيف من آثار الشيطان أو القضاء عليها وإن شئتم فاسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب ( والذي نفسي بيده ، ما لقيك الشيطان سلكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك ) "متفق عليه".

فانظروا أيها المسلمون إلى قوة الإيمان ؛ كيف تؤثر في الشيطان حتى تصل إلى درجة الخوف والهروب .

سئل أحد الحكماء عن قول الله عن إبليس ( ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) "سورة الأعراف ، الآية: 17"فقيل له: ما الحكمة في أن لم يعط إبليس اثنان من ابن آدم وأعطي أربعة ؟ أعطي من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله من الجهات الأربع ، ولم يعط إبليس ، أن يأتيه من فوق ولا من تحت ؟ فقال: لأن الأربع جهات تدخلها المشاركة في الأعمال ، وفوق هو موضع نظر الرب جل جلاله إلى قلوب عباده المؤمنين ، وتحت هو موضع سجود الساجدين بين يدي رب العالمين .

فاتقوا الله أيها المسلمون ، واخلصوا العبادة لربكم ، والزموا الجماعة ، والتزموا بالكتاب والسنة ، واستعينوا بالله على الشيطان ، وأكثروا من الطاعات ، ومن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، في مواضعها ، التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم تفلحوا ، ويتحقق لكم ما ذكره الله في قوله ( إن كيد الشيطان كان ضعيفًا ) "سورة النساء ، الآية: 76".

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، اللهم تب على التائبين ، واغفر ذنوب المذنبين ، اللهم إننا نعوذ بك من همزات الشياطين ومكرهم ، اللهم إن إبليس عبد من عبيدك ناصيته بيدك يرانا من حيث لا نراه ، وأنت تراه من حيث لا يراك اللهم إن أرادنا بكيد فاردده ، وإن أرادنا بسوء فاصرفه ، ندرأ بك اللهم في نحره ، ونعوذ بك من شره ، اللم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان ، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين ، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه ؛ من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم ، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

عباد الله: اذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت