فهرس الكتاب

الصفحة 5192 من 9788

-وأولئك الذين عرفوا حقيقة الدنيا وأنها عرض زائل يأكل منها البر والفاجر وأن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة فاقتصروا من الدنيا على ما يقيم الأود ويحفظ المهج كما قال عليه الصلاة والسلام حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وإن التقلل من الدنيا وعدم تعلق القلب وانشغاله بها سبب قوي من أسباب الراحة العاجلة والطمأنينة الكاملة وأقوى العوامل على الإقبال على الله والأنس به وبذكره والتلذذ بطاعته وعبادته وانشراح الصدر لها {ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد: وإن طمأنينة القلب وسعادة الحياة ينشدها كل الناس ويبحث عنها فبعضهم يرى أنها في جمع المال وكثرته بين يديه فهو غايته وإن لم يتمتع به كما ينبغي ويرى بعضهم أن السعادة والطمأنينة تحصل بالراحة راحة الجسم وقلة العمل والإخلاد إلى الكسل ويراها بعضهم في حصول الشهوات ومتطلبات حظوظ النفس من الملاذ وما تهواه وكل هذا في الحقيقة لا يجدي شيئا ولا تحصل به السعادة فإن الدنيا مهما أوتي فيها الإنسان فهي محل الأنكاد والأكدار وهي مطبوعة على تنغيص الأوقات وتكدير الأحوال ولا تصفو على حالة لعاقل وإنما الحياة الطيبة والسعادة الأبدية لأهل الإيمان الذين عرفوا أن الدنيا من أولها إلى آخرها متاع قليل كما قال سبحانه } فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل التوبة: فأولئك أن حصل لهم نعمة الدنيا لم تكن سببا إلى الركون إليها ولا الطمأنينة فيها ولا لأمن مكرها بل هم على حذر من تقلبها وإن حصل عليهم بؤس وشدة وتكدير بال وتضييق حال لم يسخطوا ولم يحزنوا ولم يهنوا ولم يستكينوا لذلك بل هم كما قال سبحانه وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين آل عمران: فهم يصبرون على ما يصيبهم من اللأواء والشدة ولا يقنطون من رحمة الله ولا ييأسون من روح الله ولا يقلقهم ما يفوتهم من أمور الدنيا وبهجتها ولذتها ولا يفرحهم الحصول على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت