فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و ليس المقصود بحال البدء بالظلم و لا اشتهاء القتال و لا إثارة المشاكل و لكن المقصود هو الثبات على المبدأ و بناء النفس التي لا تطيق الظلم و التي تستشهد في سبيل حفظ حقوقها.
و ذكرنا مرة قصة رجل ذهب إلى بلد نظام السير فيه آية بديعة من التناسق ؛ فلا مواطن يخالف و لا شرطي يرتشي ولا إشارة مرور حن عليها مراهق فعانقها بسيارة ليست من ماله و لا من مال أبيه ثم غادرها و قد تفطر كبدها من حرِّ العناق الشديد ؛ بل الأمور كل كلها تسير مثل ساعة دقيقة و كان في وجه صاحبنا طريقان أحدهما نظامي طويل و الآخر مخالف قصير و الطرقات خالية ؛ فجمحت به نفسه إلى ما ربيَّ عليه فدخل الطريق القصير المخالف بسيارته ، و شاهدته عجوز تتكئ على مظلة قديمة و ما إن رأته حتى انتصبت في منتصف الطريق مثل مقاتل عنيد و فتحت مظلتها في وجه سيارته ، و قد حاول استعمال بوقه و الزمجرة بسيارته علَّها تخاف (يمتلك السائق نفسية إرهابية تحتاج إلى شهيد كي يوقف شرها) وصرخت العجوز بأعلى ما تستطيعه من صوت: ارجع .. ارجع! إذا كنت لا تعرف النظام و لم يربك أهلك عليه فاعلم أن النظام هنا قد دفعنا ثمنه من دموعنا و عرقنا و دمائنا .. وزمجر ثانية بسيرته .. و بدأ الناس بالتجمع .. فصرخت فيه: لا تظنن أنك تستطيع المرور إلا فوق جثتي!! ورجع ذلك الذي لم يربه أبواه ؛ وانتصر الحق الذي وجد جنودًا والحق أن كل ساحات الحياة تحتاج إلى استشهاد .. لقد تعلمنا أن بذل الدم لا يكون إلا استشهادا في معركة بالسلاح ، و هذا الأمر حين يطلب عمليًا فإنَّ كثيرين ستتقصف الركب منهم هلعًا ، وفاتنا أنَّ الأمر لا يؤتي ثماره الشرعية و أبعاده التطبيقية إلا عندما يكون في محله المناسب و في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (دينار أنفقته في سبيل الله و دينار أنفقته في رقبة و دينار تصدقت به على مسكين و دينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك) 14.