فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الخطبة الأولى الحمد لله الذي دبر الكون بعمله وقدر الأمور بحكمته عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا هو شهادة عبد يؤمن بعظمته ويرى آثار قدرته في ملكوته وآياته وأشهد أن محمدا عبده ورسوله شرفه ربه فجعله خير هداية وأفضل دعامة وخاتم أنبيائه وأقرب أصفيائه فصلاة ربه عليه وسلامه وعلى أهل بيته الطيبين وعلى أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وعلى التابعين لسنته والمهتدين بهديه وسلم تسليما كثيرا أما بعد فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل في كل حال وكثرة حمده على آلائه إليكم ونعمائه عليكم وبلائه لديكم فكم خصكم بنعمة وأزال عنكم نقمة وتدارككم برحمة أعورتم له فستركم وتعرضتم لأخذه فأمهلكم وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم أيها الناس إن للأمم مع نفوسها غفوة تعقبها غفوات وللأفراد المنفردين كما للأمم والشعوب سواء بسواء وإذا كانت غفوة الفرد تعد بالساعات فإن غفوة الأمم تعد بالسنين لأن السنة في حياة الأمة تقوم مقام اليوم أو بعضه في حياة فرد من الأفراد وفي مقابل ذلك فإن لبعض النفوس المعتادة لحظات تصفو فيها من كدر وترق من غلظة وترقى بمشاعرها وأفكارها إلى جو نقي طهور لكنها لا تلبث طويلا حتى تتدنى معظم أوقاتها وتبدو سويعات السمو عندها وكأنها ألق عارض يومض ولا يضيء أو يرعد ولا يمطر بيد أن ثمة نفوسا عظيمة لها مجال أرحب مدى ونهج أرجع صدى قلما تنزل عنه فهي كالطير الذي ألف الذرا لا ينحط دونها إلا لماما هكذا الناس عباد الله فهم بين عامة مغلولين في قيود من مطالبهم اللامحدودة وربما انفكوا عنها حينا وبين خاصة أمكنهم الخلاص من معظم هذه القيود ولا غرو أن يتشبث بعضها بأقدامهم فترهقهم حينا ثم أورثنا الكتاب الذين