صـ 10
و وعتهم صدورهم من غير أن يقيدوا بالكتابة ـ إلا ما كان يحدث في النُّدرة ـ لخليقون أن يحفظوا حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ، وهو الذي ملأ نفوسهم عظمة فأكبروه ،و أجلُّوهُ ، و فدوه بالأنفس و الأموال .
علي هذا انقضي عصر الخلفاء الراشدين ، بل عصر الصحابة كلهم أجمعين ، فلما كان علي رأس المائة الثانية من هجرة النبي صلي الله عليه وسلم ، و في عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان ـ رضي الله عنه ـ ، خاف أهل البصر ـ وعلي رأسهم أمير المؤمنين ـ دُرُوسَ العلم بموت أهله فكتب عمر بن عبد العزيز إلي أبي بكر بن حزم:"انظر ما كان من حديث الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ فاكتبه ؛ فإني خفت دُرُوسَ العلم و ذهاب العلماء" (1) .
و كان العلماء و الصحابة يتحرجون من كتابة حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ مخافة أن يختلط عند الناس بالقرآن ، فقد كان المسلمون في أول العهد به ، و لكن عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ قد أمن ما خاف السلف من قبله ؛ لاستقرار الناس علي مصاحف عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه .
و كان ما كتبه إلي ابن حزم أول بداءة التفكير في جمع المحفوظ من حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ، ثم أمر محمد بن شهاب الزهري بكتابته ؛ فكان أول من كتب شيئًا من الحديث .
(1) "صحيح البخاري" (1 / 194 ) .