صـ 17
تنوعت طرق المصنفين في هذا العلم الشريف في تصنيفه و عرضه و تناول مباحثه و مسائله ؛ و الذي يلاحظه الباحث أن هناك طريقتين هما من أكثر الطرق سلوكًا لدى المصنفين فيه:
الطريقة الأولي: التأصيل ثم التنويع .
و أشهر من سلك هذه الطريقة: الحافظ الخطيب البغدادي ؛ في كتابه"الكفاية في أصول الرواية"؛ فهو يؤصل أولا للقضايا الكلية لهذا العلم ، و المتعلقة بالعدالة و شرائطها ، و بيان أصول الجرح والتعديل ، والتصحيح و التعليل ؛ ثم بعد الانتهاء من ذلك يتناول التنويع و التفريع لأنواع الحديث ، من غير استيعاب أو استقصاء للأنواع.
و هذا يفسر لك: لماذا لا تجد في"الكفاية"بابًا لـ"نوع الصحيح"أو لـ"نوع الحسن"أو لـ"نوع الضعيف"؛ ذلك أن هذه الأنواع و غيرها ما هي إلا صور متعددة تتمخض عن الأصول الكلية للجرح والتعديل ، و التصحيح و التعليل .
لأنه بمعرفة حال الراوي ـ جرحًا و تعديلًا ـ ؛ يظهر درجة حديثه: هل هو نوع من"نوع الصحيح"أم من"نوع الحسن"أم من"نوع الضعيف"؟ فصارت هذه الأنواع الثلاثة ـ من هذه الحيثية ـ من فروع علم الجرح و التعديل ، و صار"علم الجرح و التعديل"أصلًا لهذه الأنواع .