صـ 151
اختلف العُلماء في جواز الاحتجاج بالحديث المُرسل ؛ و لهم في ذلك أربعة أقوالٍ:
القول الأول: يجوز الاحتجاج به ، و هو رأي أبي حنيفة ، و هو المشهور عن مالكٍ و أحمد .
و حُجَّتُهُم في ذلك: أنَّ التابعي الذي أسقط الصحابي إمَّا أن يكون عدلًا أو لا ؛ فإن كان الثَّاني بطل الاحتجاجُ بحديثه لعدم عدالته لا لإرساله ، و إن كان عدلًا لم يجُز أن يُسقط الواسطة بينه و بين النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ إلَّا و هو عدلٌ عندهُ غير مُتردَّدٍ في عدالته ، و إلَّا كان فِعلُهُ تلبيسًا قادحًا في عدالته .
القول الثاني: لا يجوز الاحتجاج به مُطلقًا ، و هو قولُ الأكثرين من أهل العلم بالحديث .
و ذلك ؛ للجهل بحالِ المحذوف ؛ لأنه يُحتملُ أن يكُونَ صحابيًّا و يُحتملُ أن يكون تابعيًّا ، و على الثَّاني يُحتمل أن يكون ضعيفًا و يُحتمل أن يكون ثقةً ، و على الثاني يُحتملُ أن يكون حمل عن الصحابيًّ و يُحتملُ أن يكون حمل عن تابعيٍّ ، و على الثاني يعودُ الاحتمال السابقُ و يتعدد: أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية ، و أمَّا بالاستقراء فإلى ستةٍ أو سبعةٍ ، و هو أكثرُ ما وُجد من رواية بعض التابعين عن بعض (1) .
القول الثالثُ: إن عُرفَ من عادة التَّابِعِيِّ أنَّهُ لا يُرسل إلا عن ثقة ؛ قُبِلَ ، و إن كان يُرسِلُ عن الثِّقات و غيرهم لا يُقبل .
ــــــــــ
(1) انظر:"نزهة النظر" ( ص: 110 ـ 111 ) .