صـ 312
الثالثة ـ و هي عبارة أبي عبد الله الحاكم النيسابوري ـ: أن الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات , و ليس له أصل بمتابع لذلك الثقة .
و ذكر: أنه يغاير ( المعلل ) , من حيث إن المعلل وُقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه , و الشاذ لم يوقف فيه على علة .
وجه الجمع: أن يقال: إن"الثقة"في عبارة الإمام الشافعي غير"الثقة"في عبارة أبي يعلى الخليلي و الحاكم ؛ فإن"الثقة"في عبارة الشافعي يُراد به أعلى مراتب الثقات , و هم الحفاظ المتقنون , الذين أكثروا من سماع الحديث و روايته , و كانوا متقنين له غاية الإتقان , كالزهري , و هشام بن عروة , و سفيان الثوري و شعبة بن الحجاج , و مالك ابن أنس , و أمثالهم ممن توسعوا في الرواية بحيث يمكن لهم التفرد بما لا يوجد عند غيرهم ؛ فلا يعد تفرد الواحد منهم ـ بمجرده ـ شاذًا ؛ بل لا يُحكم بشذوذ ما جاء الواحد منهم به ؛ إلا إذا خالف ما ورى غيره حيث يكون أحفظ منه , أو أكثر عددًا .
و أما"الثقة"في عبارة الخليلي و الحاكم ؛ فالمراد به أدنى مراتب الثقات , و هم غير الحفاظ , ممن لم يبلغوا في الحفظ وسعة الرواية منزلة هؤلاء و أمثالهم , و إن كانوا من جملة الثقات ؛ لأنه لا تلازُم بين وصف الراوي بـ"الثقة"و وصفه بـ ( الحفظ ) ؛ فقد يكون الثقة حافظًا و قد يكون غير حافظ , و التفرد إنما يُقبل من الحفاظ المكثرين الذين سمعوا من أهل بلدهم و رحلوا فسمعوا من علماء الأمصار , أما من ليس له من الحديث