صـ 9
انقضي عصر الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ و لم يكتب المسلمون من حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ شيئًا يذيعونه بين الناس إلا القليل ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص ؛ فقد كتب لنفسه شيئًا كثيرًا .
روي البخاري (1) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ، قال: ما من أحدٍ من أصحاب النبي ـ صلي الله عليه و سلم ـ أكثر حديثًا عنه مني ؛ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ؛ فإنه كان يكتب و لا أكتب .
ولكنهم ـ مع ذلك ـ صرفوا هممهم إلي نشر الحديث بطريق الرواية: إما بنفس الألفاظ التي سمعوها من رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إن بقيت عالقة في أذهانهم ـ و إما بما يؤدي معناها من ألفاظ غيرها ـ إن غابت ألفاظه عنهم ـ .
و وهبهم الله ـ عز وجل ـ صبرًا علي طلب الحديث عن أهله ، مع حافظة واعية ، و نفس صافية ، و ذهن وقَّاد يصل إلي تبين المراد من الكلام ويعي ما يُلقي إليه .
و إن قومًا انحدرت نطفهم من أصلاب رجال حَفِظوا أشعار شُعَرَائِهِمْ ،
(1) "صحيح البخاري" (1 / 39 ) .