صـ 196
مثال ذلك: أهل الكُوفة يرون جواز شُربِ النبيذ ؛ و يفرقون بينه و بين الخمر ، بينما أهل الحجاز لا يُفرقون بينهما ؛ و يعتبرون الكُلَّ خمرًا . فإذا رأيت الحجازي يطعنُ في الكُوفيِّ بحُجَّةِ أنَّه كان يشربُ الخمرَ ؛ فأعلم أن هذا من ذاك .
قال الدُّوريُّ في"تاريخه" (1) :"سمعت يحيى ـ يعني ابن معين ـ يقول: حدث يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ ، عن أبيه ، عن محمدٍ بن إسحاق قال: رأيت بُريدة بن سُفيان يشربُ الخمر في طريق الرَّيِّ"!
و ( بُريدةُ ) هذا هو الَّذي روى حديث ( الأشربة ) المعروف (2) ، و الذي خطَّأهُ فيه الأئمَّةُ ! و هذا يدُلُّ على أنَّه إنَّما كان يشربُ نبيذًا ، لا يشرب خمرًا ؛ و إنَّما سمَّاها محمد بن إسحاق خمرًا ؛ لأنَّ محمد بن إسحاق حجازيٌّ ، و يتكلم بما يعرفه هو ، و بما يعرفُه أهل بلده ، و بما عليه مذهب أهل بلده .
و لهذا قال الدُّوريُّ:"والَّذي يُظَنُّ بـ ( بُريدةَ ) بن سفيان أنَّه شرب نبيذًا ؛ فرآه محمَّد بن إسحاق؛ فقال: رأتيه يشربُ خمرًا ؛ و ذلك أنَّ النَّبيذ عند أهل المدينة و مكَّة خمرًا ، لا أنَّه يشربُ خمرًا بعينها ـ إن شاء الله ـ ."
فهذا وجه الحديث عندي"."
ـــــــــــــ
(1) "تاريخُ ابن معين برواية الدُّوري" (268 ، 1923 ) .
(2) و لفظه"اشربوا في الظُّرف ، و لا تُسكِرُوا"، و هو حديثٌ معلولٌ ، كما قد بيّنته في"الإرشادات" ( ص: 197 ـ 198 ) .