صاحب المتن: وأنَّ التابعيَّ المجتهدَ معتبَرٌ معهم، فإنْ نشأ بعدُ فعلى الخلافِ في انقراضِ العصرِ وأنَّ إجماعَ كلٍّ من أهلِ المدينةِ، وأهلِ البيتِ، والخلفاءِ الأربعةِ، وأهلِ الحرمَين، وأهلِ المصرَين: الكوفةِ والبصرةِ غيرُ حجةٍ.
الشارح: «وَ» عُلِمَ «أنّ التابعيَّ المجتهِد» وَقْتَ اتفاقِ الصحابةِ «مُعْتَبرٌ معَهُم» لأنهُ من مُجتَهِدِ الأمةِ في عَصرٍ.
«فإنْ نشَأَ بَعْدُ» بأن لم يَصِرِ التابعيُ مجتهدًا إلا بعدَ اتفاقِهِم «فعَلَى الخلافِ» أي فاعتبارُ وفاقِهِ لهم مبنيٌ على الخلافِ «في انقراضِ العَصرِ» إن اشْتُرِطَ اعتُبِرَ، وإلاّ - وهو الصحيحُ- فَلاَ.
«وَ» عُلِمَ «أنّ إجماعَ كُلٍّ من أهلِ المدينَةِ» النبويةِ.
المحشي: قوله «وعُلِمَ أنّ إجماعَ أهلِ المدينة ... إلى قوله: غيرُ حجةٍ» قد يقال: الذي عُلم إنما هو انتفاءُ الإجماع، لا انتفاءُ الحجيةِ، ولا يَلزَمُ من انتفائِهِ انتفاؤُها، فالمناسبُ أن يقول: «غيرُ إجماع، وليس بحجةٍ على الصحيح» ويجاب بأنه إنما عَبَّر بِما ذكَره لغرضِ الاقتصار في قوله «وهو الصحيحُ في الكلِّ» مع توفيته بالغرض لأن الإجماع لا يلزمه الحجية، فإذا انتَفَى هو انتَفَتْ هي.
الشارح: «وأهلِ البيتِ» النبويّ. وهم: فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين، رضي الله عنهُم «والخُلفاءِ الأربعةِ» أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضيَ الله عنهم، «والشيخَيْن» أبي بكر وعُمَر، «وأهلِ الحرمَيْن» : مكةَ، والمدينةِ، «وأهلِ المصرَيْن: الكُوفةِ والبَصْرةِ غيرُ حجةٍ» لأنه اتفاقُ بَعْضِ «مجتهدِ الأمةِ» لا كُلّهم.
المحشي: قوله «وأهل البيتِ» القول بحجية اتفاقِهِم منقولٌ عن الشيعةِ.
واستُشْكِلَ بأنَّهُ كيف يُجتَمعُ نقلهُ عنُهم مع ما اشتُهر عنهُم مِن إنكار حجيةِ الإجماع؟
وأُجيِبَ: بأنّهم إنّما أنْكَرُوا كونَهُ حجيةً على تفسيره المعروف لا مُطلقًا.
صاحب المتن: وأنَّ المنقولَ بالآحادِ حجةٌ، وهو الصحيحُ في الكلِّ
الشارح: «وأنّ» الإجماعَ «المنقولَ بالآحاد حُجّةٌ» لِصدْقِ التعريفِ بهِ «وهو الصحيحُ في الكُلِّ» .
وقيل: إنّ الإجماعَ في الأخيرةِ ليسَ بحجَّةٍ لأن الإجماعَ قطعيٌ فلا يثتبُ بخبر الواحدِ.
وقيل: إنّهُ فيما قبلَ الأخيرةِ مِن السِتِ حجةٌ.
أما في الأُولى: فلحديثِ الصحيحَيْن: «إنَّمَا المَدينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبثَها، ويَنْصَعُ طَيِّبُهَا» ، والخطأُ خبث فيكون منفيًا عن أهلها. وأُجيبَ بصدوره منهم بلا شكٍ لانتفاء عِصمَتِهم فيُحمَل الحديثُ على أنها في نفسِها فاضلةٌ مباركة.
المحشي: قوله «لأنّ الإجماع قطعيٌ فلا يَثبُتُ بخبر الواحد» يُرَدُّ بمَنْعِ كونِهِ قطعيًا مُطلقًا. فقد يكون قطعيًا، وقد يكون ظنيًا، ومع كونِهِ قطعيًا قد يكون قطعي الدلالةِ فقط. وكونهُ قطعيٌ الدلالة لا يستَلْزِمُ كَوْنَهُ قطعيٌ المُسنَدِ على أنّ ثبوتَهُ بخبرٍ الواحدِ حينئذٍ أَوْلَى من ثبوت المُسنَدِ به.
قوله «كالكير» هو الزِقُّ الذي يَنفُخُ بهِ النارَ، والكُوُر مَوقِدُ نَارِهِ، و «يَنصَعُ» بتحتيةٍ على الأشهر، أي مُخلِص.
قوله «بصُدوره» أي الخطأ، أي بجواز صدوره.
الشارح: وأما في الثانية: فلقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الأحزاب: 33، والخطأُ رجسٌ فيكون منفيًا عنهُم، وهُمْ مَن تقدَّمَ لِما روى الترمذي عن عمرَ بن أبي سلمه: «أنَّهُ لمَا نزلَتْ هذه الآيةُ، لَفَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم كساءًا، وقال: هؤلاء أهْلُ بَيْتي وخاصَّتِي، الَّهمَّ اذْهَبْ عَنْهُم الرِجسَ وطَهِّرْهُم تطهيرًا» .
وروى مسلم عن عائشة، رضي اللهُ تعالى عنها قالت: «خرَجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم غداةً، وعليه مرطٌ مُرَحَّلٌ مِن شَعرٍ أسْوَد، فجاءَ الحَسَنُ بن علي فأدْخَلَهُ، ثم جاء الحُسينُ فأدخَلَهُ معه، ثم جاءتْ فاطمةُ فأدْخَلَها، ثم جاءَ عليٌ فأدْخَلَه، ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) » .
وأُجيبَ بمنعِ أنّ الخطأ رجسٌ، والرجسُ قيل: العذابُ، وقيل: الإثْمُ، وقيل: كل مُسْتَقْذَرٍ ومُستَنكرٍ.