المصنف بينهما من غير تأملٍ واستروحَ بما أجابَ به. وتقييده للثاني بـ «ما إذا لم يظهر للوسط فائدةً» أخذًا مِن كلامِ الجوينِي في «السلسلةِ» كما بيَّنَهُ في شرح المختصر لا طائلَ تحتهُ، وعلى تقدير اعتبارهِ فكان ينبغي حملُ إطلاقِهم عليه لا أن يحكي بـ «قيل» ويُصرِّح فيه بـ «مطلقًا» ، وهم لم يصرحوا به.
المحشي: قوله «وكذلك لا يلزم ... الخ» بيَّن بهِ نفيَ الملازمةِ بينَ المشروطيْن بعد أنْ بيَّن نفيَهما بين الاشتراطَيْنِ، وأحدُ النفيين لازمٌ لآخر، وتعليل كلٍ منهما تعليلٌ للآخر، وذلك هو الذي عَنَاهُ الشارح بقولهِ: «المشتمل على التكرار» .
قوله «والمُدرك واحد» وهو لزومُ كونِ القياس الثاني لغوًا أو غير منعقد.
قوله «لا طائلَ تحتهُ» أي لأن غايته مع ما فيه مِن الإطالةِ السلامَةُ عن منع العلية كما ذكر يغني عنه بتقدير منعِ العلية إثباتُها بطريقه مع أن قوله قبلُ: «ولو قِيسَ ابتداءً عليه بجامعِ الطعمِ لم يُسلم ممن يمنعُ عليته» مردودٌ بأنه لا يُسلم منهُ أيضًا مع التدريج.
صاحب المتن: وأنْ لا يعدل عن سُننِ القياسِ
الشارح: «وأن لا يعدل عن سنن القياسِ» فما عدل عن سننه أي خرج عن منهاجِهِ لا لمعنىً لا يقاسُ على مَحلِه لتعذرِ التعدية حينئذٍ كشهادة خزيمة، قال: «مَن شهدَ له خزيمةً فحسبُهُ» ، فلا يثبتُ هذا الحكمُ لغيره وإن كان أعلى منه رتبةً في المعنى المناسب لذلك من التدين والصدق كالصديق?.
وقصةُ شهادة خزيمة? رواها أبو داود وابنُ خزيمة، وحاصلها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من إعرابيٍ فجحدهُ البيعَ، وقال: «هَلُم شهيدًا يشهدُ عليَّ» فشهدَ عليه خزيمةُ ابن ثابت - أي دون غيرِهِ - فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ما حمَلَك على هذا، ولم تكن حاضرًا معنا» . فقال: «صدقتكَ فيما جئتَ به، وعلمتُ أنك لا تقولُ إلا حقًا» ، فقال صلى الله عليه وسلم: «من شهدَ له خزيمةُ - أو شهدَ عليه - فحسبُه» هذا لفظ ابن خزيمة، ولفظُ أبي داود: «فجَعَل النبي صلى الله عليه وسلم شهادتهُ شهادة رجلين» .
وذكرَ أهل السيرِ أن ذلك الفرسَ هو المسمى من خيل النبي صلى الله عليه وسلم، بـ «الْمُرْتَجِز» لِحُسنِ صهيله.
المحشي: قوله «وأن يعدلَ» يجوز قراءتُه بالبناء للمفعولِ، وبالبناء للفاعلِ، وإلى الثاني ميل الشارح حيثُ فسرَ بعده «عَدَلَ عن سُنَنِه» بقوله «أي خرجَ عن منهاجهِ» .
ومنهاجُهُ أن يعقل المعنى في الحكمِ، ويوجدَ في محل آخرَ فيمكنُ تعديته إليه. والعدولُ عن ذلك إما بأنْ لا يُعقل المعنى في الحكم كأعدادِ الركعات، ومقادير الحدودِ، أو بأنْ يعقل المعنى، لكن لم يتعدَّ إلى محلٍ آخر كرخص السفر لما امتنع تعليلها بِما يتعدَّى وهو مطلقُ المشقةِ لعدم انضباط مرتبةٍ منها تعتبر مناطًا للحكم تعينت مشقةُ السفر وهي غير منضبطةٌ أيضًا فاعتبرت مظنتها وهي السفر لانضباط مناط الحكم فامتنعت التعدية. وبما قررته عُلم أن قوله: «لا لمعنى لا يقاس على محلِهِ» لا حاجة إليه.
صاحب المتن: وأنْ لا يكون دليلُ حكمه شاملًا لحكم الفرعِ وكون الحكمِ متفقًا عليه: قيل: «بين الأمة» ، والأصحُ بين الخصمَين وأنّه لا يُشترطُ اختلافُ الأمةِ.
الشارح: «وَ» أن «لا يكون دليلُ حكمهِ» أي الأصلِ «شاملًا لِحكم الفرع» للاستغناء حينئذٍ عن القياس بذلك الدليل على أنه ليسَ جعلُ بعض الصورِ المشمولةِ أصلًا لبعضها بأولى من العكس.
مثاله: ما لو استدل على ربوية البرِّ بحديث مسلم: «الطعامُ بالطَعامِ مِثلًا بِمِثلٍ» ، ثُمَّ قيس عليه الذرةُ بجامعِ الطعمِ، فإن الطعامَ يتناولُ الذُرة كالبر سواءًا.
وسيأتِي من شروط العلةِ «أنْ لا يتناول دليلُها حكمَ الفرع بعمومهِ أو خصوصِهِ على المختار» فمقابلهُ المبنيُ على جوازِ دليليْن على مدلولٍ واحدٍ-كما سيأتِي- لا يتأتى هنا كما يُفهم من العبارة السابقة في التوجيه.