فإن كان» الوَصفُ «خَفيًا، أو غيرَ مُنضبطٍ اعتُبرَ مُلازِمُهُ» الذي هو ظاهرٌ مُنضَبِطٌ «وهو المظنّة» له، فيكون هو العِلَّةُ كالسَفَرِ مَظِنَّةٌ للمشقَةِ المترتبُ عليها الترخُصُ في الأصلِ لكنّها لَما لم تَنضَبِط لاختِلافِها بَحسبِ الأشخاصِ، والأحوالِ، والأزمانِ، نيطَ التَرخُّصُ بِمَظِنَّتِها.
المحشي: قوله «ما يصلحُ كونُه مَقصودًا» فاعِلُ «يَحصُلُ» «مَا» والمقصود هو الحكمُ. وخَرَجَ بـ «يَحصُلُ عَقلًا ... الخ» الوصف المستبقى في السبر والمدار في الدَورَانِ وغيرهما مِن الأوصاف التي تَصلُحُ للعليَّةِ ولا تصلح عقلًا مِن ترتيبِ الحُكمِ عليها المنعُ المذكور مِن حُصولِ مَصلَحةٍ أو دَفعِ مَفسَدَةٍ، ولا يلزم من ذلك خلُوُّ هذه الأوصافُ عن اشتمالها على حِكمَةٍ.
قوله «مِن حُصولِ مَصلحةٍ أو دَفعِ مَفسدَةٍ» المصلحةُ اللذةُ أو سببُها، والمفسدةُ الألَمُ أوسببُهُ، وكلٌ منها دُنيَويٌ وأُخرَويٌ.
صاحب المتن: وقد يحصلُ المقصودُ من شرعِ الحكمِ يقينًا أو ظنًا كالبيعِ والقصاصِ،
الشارح: «وقد يحصَلُ المقصودُ مِن شرعِ الحُكمِ يَقينًا أو ظنًا كالبَيعِ» يحصُل المقصودُ مِن شَرعِهِ -وهو المِلكُ- يَقينًا، «والقِصاصِ» يحصُل المقصودُ مِن شرعِهِ -وهو الانزجازُ عن القتلِ- ظَنًا، فإن الممتنعين عنه أكثرُ مِن المُقدِمينَ علَيهِ.
المحشي: قوله «كالسَفَرِ ... الخ» مثالٌ لمظنَّةٍ غير المُنضَبِطةِ. ومثالُ مظنَةِ الخَفي الوَطءُ فإنهّ مظنةٌ لِشُغلِ الرَحمِ المرتب عليه وجوب العِدَةِ في الأصلِ حفظًا للنسَبِ لكنّه لَما خَفِيَ نيطَ وجوبَها بِمَظنَّتِهِ.
قوله «وهو الانزجَارُ» جَعَلَ هنا حِكمةَ تَرتُبِ وَجُوبِ القصاصِ على عليَّةِ الانزجَارِ، وجَعلَهَا في شروطِ العِلَّةِ حِفظ النفوسِ، ولا منافاةَ لأن الثاني مقصودٌ بالذّاتِ، والأوَّلَ بالعَرَضِ لِكَونِهِ طريقًا للثاني.
صاحب المتن: وقد يكون محتملاَ سواءً كحدِ الخمرِ، أو نفيُه أرجحَ كنكاحِ الآيسةِ للتوالُدِ، والأصحُ جوازُ التعليلِ بالثالثِ والرابعِ كجوازِ القصرِ للمترفِه.
الشارح: «وقد يكونُ» حُصولُ المَقصُودِ من شرعِ الحُكمِ «مُحتَمَلًا» كاحتمال انتِفائِهِ «سَواَءً كَحَدِّ الخَمرِ» فإن حصولَ المقصودِ مِن شَرعِهِ-وهو الانزجَارُ عن شُربِها-وانتفاؤُهُ متسَاوِيَانِ بتَسَاوي الممتنعينَ عن شربِها والمُقدمينَ علّيه فيما يَظهرَ «أو» يَكونُ «نفيُهُ» أي انتِفاءُ المقصودِ مِن «نَفي الشيءُ» بالبناء للفاعِلِ، أي انتفى «أرجَح» مِن حصُولِهِ «كنِكاحِ الآيسةِ للتَوالُدِ» الذي هو المقصودُ مِن النكاحِ فإن انتفاءَهُ في نكاحِها أرجَحُ مِن حصولِهِ.
«والأصحُّ جَوازُ التعليلِ بالثالثِ والرابعِ» أي بالمقصودِ المتساوي الحصولُ والانتفاءُ،
المحشي: قوله «فإن الممتنعين عنهُ أكثرُ من المُقدِمينَ علَيهِ» لأنّ الغالِبَ من حال المكلَفِ أنه إذا عَلِمَ: أنه إذا قتَلَ قُتِلَ، كَفَّ عَن القتلِ.
قوله «فيما يظهر» أي لنا، لا في نفس الأمر لتعذُّر الاطلاع عليها فهو تقريبي لا تحقيقي.
قوله «من نفى شيء ... الخ» نبَّهَ بهِ عَلى أنَّ «نَفَى» كَمَا يُستَعمَلُ مُتعدِّيًا يستَعمَل لازِمًا.
قوله «والأصحُّ جوازُ التعليلِ بالثالثِ والرابعِ أي المقصود ... الخ» فقضيتُهُ جوازُ التعليلِ بالحِكمَةِ، ومحلُّهُ إذا انضَبَطَت بقرينةِ قوله قبلُ: «فإن كانَ الوَصفَ خَفيًا، أو غيرَ منضبطٍ ... الخ» وإن كان مخالِفًا لمَا اقتضاَهُ كلامُهُ في أوائلِ شروطِ العِلَّة.
الشارح: والمرجوحِ الحصولُ نظرًا إلى حُصولِها في الجُملَةِ «كجوازِ القصرِ لِمتَرَفِهِ» في سَفَرِهِ المُنتَفى فيه المشقةُ التي هيّ حِكمةُ التَرخُصِ نظرًا إلى حصولِهَا في الجُملةِ. وقيل: «لا يجوزُ التعليلُ بهما لأنّ الثالثَ مشكوكُ الحُصولِ، والرابعَ مَرجوحُهُ» . أمّا الأوَّلُ والثاني فيَجوزُ التعليلُ بهما قطعًا.
المحشي: ويُؤخذُ مِن ذلك مع ما مَرَّ: أنّ الحكمةِ إذا عُلِّلَ بها يكون دليلًا لَهَا حُكمهُ.