فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 562

سقت كلام هذا الرجل لاعتراف أهل مذهبه أنه أعلمهم وأن عنده ما عن المتقدمين منهم والمتأخرين. ويعلم مما ذكر صحة ما نقل مشايخنا عنهم من أن كلام الله تعالى عندهم هو الحروف المؤلفة والأصوات المقطعة، وأنه حال في الألسنة والصدور والمصاحف وأنه مع هذا غير مخلوق، قاله صاحب التبصرة، وقال: وكثير من الحشوية يساعدونهم ويقولون لفظي بالقرآن غير مخلوق فيجعلون قراءتهم غير مخلوقة، وهذا هذيان ظاهر لا أعلم ما لهم من حجة فإن مشايخنا لم يذكروا لهم شبهة والله أعلم.

ويعلم مما ذكر أن السلف الذين عناهم، ردوا على من قال: الفاظ القرآن مخلوقة أو قال: تلاوته مخلوقة أو قال: حروف القرآن مخلوقة، وأن بعضهم كفر القائل لذلك، وحيث ردوا هذا فهم قائلون بأنها غير مخلوقة - كما قال الشهرستاني - وان كلام الله تعالى لفظي حال في الألسنة لقوله: حروف القرآن لاتي هي لفظه قبل أن ينزل بها جبريل، وقوله: والتلاوة في نفسها التي هي حروف القرآن وألفاظه غير مخلوقة، وقوله كذلك: القرآن لفظه معناه كلام الله سبحانه وتعالى ليس للعبد فيه إلا تأديته بصوتهن وقوله والعبد إنما يقرأ كلام الله تعالى بصوته، ولقوله: وما يخفى على لبيب الفرق بين التلاوة في نفسها قبل أن يتكلم بها الخلق وبعد أن يتكلم بها وبين ما للعبد في تلاوة القرآن من عمل وكسب، وأن الكلام يضاف إلى أول من يتكلم به كائنا من كان والناس بعده يؤدون ذلك بحركة الألسنة كقوله: قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو قد بلغه بحركته وصوته، ولم يتعرض للكتابة التي في المصاحف، ويدل لقول أصحابنا في ذلك ما قرأت في المعتمد لأبي يعلى أن أبا طالب قال لأحمد عن نقوش المصحف والسواد الذي في البياض، فقال: أصح حديث في الباب حديث ابن عمر (( لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ) )، وعن هذا قال أئمتنا: القرآن الذي هو كلام الله تعالى مكتوب في مصاحفنا بأشكال الكتابة وصور الحروف الدالة عليه، محفوظ في قلوبنا بألفاظ مخيلة، مقروء بألسنتنا بحروفه الملفوظة المسموعة، مسموع بآذاننا بذلك أيضا، غير حال فيها، ليس حالا في المصاحف، ولا في القلوب والألسنة والآذان، بل هو معنى قائم بذات الله تعالى يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه ويحفظ بالنظم المخيل ويكتب بنقوش وصور وأشكال موضوعة للحروف الدالة عليه، كما يقال: النار جوهر محرق، يذكر باللفظ ويكتب بالقلم ولا يلزم منه كون حقيقة النار صوتا وحرفا، وذلك أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت