للشيء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارة ووجودا في الكتابة.
فالكتابة تدل على العبارة وهي تدل على ما في الأذهان وهو على ما في الأعيان، فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القدم، كما في قولنا: القرآن غير مخلوق. فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج وحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة كما في قولنا: قرأت نصف القرآن أو المخيلة كما في قولنا: حفظت القرآن أو الأشكال المنقوشة كما في قولناك يحرم على المحدث مس القرآن.
(قوله ولا يخفى على لبيب الفرق بين التلاوة في نفسها قبل أن يتكلم بها الخلق وبعد أن يتكلم بها وبين ما للعبد في تلاوة القرآن من عمل وكسب،(قلت) : الذي تعقله الألباء أن ليس قبل تكلم الخلق تلاوة ولا بعد تكلمهم تلاوة، وإنما التلاوة تكلمهم والمتلو القرآن والصفة القديمة القائمة بذات الله تعالى المدلول عليها بالتلاوة.
قال الله تعالى {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} [الكهف: 27] ، ففعله صلى الله تعالى عليه وسلم تلاوة، لا أن فعله شيء والتلاوة شيء آخر.
(قوله: وإنما غلط بعض الموافقين والمخالفين فجعلوا البابين واحدا) يعني جعلوا عمل العبد والتلاوة واحدا، والحال أنهما شيئان: صوت القارئ وكلام الله تعالى، وسنبين بطلان هذا.
(قوله وأرادوا) يعني بعض الموافقين والمخالفين (أن يستدلوا على حدوث حروف القرآن بما دل على حدوث أفعال العباد وما تولد عنها وهو من أقبح الغلط) ، يعني وليست من أفعال العباد وإنما هي الكلام القديم، فالحاصل أن القراءة نطق القارئ وكلام الله تعالى، والمسموع صوت القارئ وكلام الله تعالى، وما في المصحف نقش الكاتب وكلام الله تعالى، وهذا كله دعوى ليس فيها ما يصلح شبهة، فضلا عن حجة ويقال له: هل تكلم الله تعالى بهذه الحروف دفعة أو على التعاقب فإن كان الأول تحصل منه أنه غير هذه الكلمات التي نسمعها، لأن التي نسمعها حروف متعاقبة، فحينئذ لا يكون هذا القرآن المسموع قديما، وإن كان الثاني فالأول لما انقضى كان محدثا لأن ما يثبت عدمه امتنع قدمه والثاني لما حصل بعد عدمه كان حادثا، فظهر بطلان ما ادعاه وأنه هو أقبح الغلط والله تعالى أعلم إهـ.