فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 1217

فإن قيل: فهلا أعجز عن الخطيئة؟

قيل: لو أعجز عنها لم يكن العبد ممتنعًا عنها، ولم يكن ذلك العجز له عبادة، ولم يقض عنه من حقوق الله تعالى حقًا.

فإن قيل: فلماذا يعبد وهو غني عن أن يعبد؟

قيل: لأنه عرض العبد لما يعبده للثواب.

فإن قيل: وماذا كان لو أحسن إليه واجتباه من الخير ما أراد من غير أن يتعبده؟

قيل في هذا المتكلمي: الإسلام طريقان:

أحدهما لا سؤال في مثل هذا الموضع، لأنه إنما يرجع إلى الله عز وجل، وقد قال في كتابه: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} .

وقال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} .

وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} .

وقال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} .

وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} .

فلو أراد أن لا يتعبد أحدًا بأمر ولا نهي، ويدخلهم الجنة ويبيحهم نعيمها من غير طاعة تكون منهم، كان له ذلك.

وإذا تعبد ولم يدخل أحدًا الجنة إلا أن يكون الإيمان قد سلم له، فذلك أيضًا له وهو حقه.

فلا سؤال بمثل هذا الموضع لأحد وإلا يعبد، إنه ولم يتعبد العبد، فيجعل له طريقًا إلى العبادة، ولم يستوجب العبد عليه إحسانًا وتخلا عن الوسيلة إلى ربه لأنه لما خلقه بدأه بالإحسان، بأن خلقه حيًا وأعطاه بيانًا وعقلًا، وأزاح علله، وأناله من الخيرات أكثر مما كان يحتاج إليه فوجبت له بذلك عليه حقوق، لو أراد أن يقضيها حتى يخرج من عهدتها ما قدر عليه، فإذا خلا بعد هذا عن العبادة كان الحق كله لله - عز وجل - عليه، ولم يكن قبل الله تعالى وسيلة حتى إذا تعبده بالأمر والنهي، يعيد الطاعة له في أمره ونهيه، صار التزام العبودة واستشعار الذلة وإظهار الرغبة والرهبة، وسيلة له عند الله تعالى يستحق بها أن يحسن الله تعالى.

فإذا تعبده لتكون له هذه الوسيلة فيحسن إليه لأجلها.

فإن قيل: أليس لو أحسن إليه بلا استحقاق لكان ذلك الفضل والكرم سنة فيه إذا أحسن إليه عن استحقاق، وهلا أحسن إليه [[متبديًا إن لم يريد] ]، ما فعل إلا الإحسان.

قيل: هكذا كان يكون، ولكنه لما كان عدلًا أراد أن يظهر عدله، بأن يوجب للعبد الحق، ثم يجزيه بحسنة عشرًا أو أكثر، فيكون أظهر عدله وفضله معًا، كما أنه تعالى خلق ليظهر قدرته، وأعطى ما خلق العقل ليعرف نفسه إليه.

وكذلك أوجب الحق للعبد ثم قضاه، ليعرف بذلك عدله وفضله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت